Monday, April 22, 2013

المعارضة..ظاهرة صوتية !!


يقول عبدالله القصيمي في بداية كتابه "العرب ظاهرة صوتية":

"إن العربي ليرفض الصعود إلى الشمس ممتلكا لها إن كان ذلك بصمت ليختار التحدث بصراخ و مباهاة عن صعوده إلى القمر و امتلاكه له , أي بلا صعود و لا امتلاك .

إن العرب ليظلون يتحدثون بضجيج و ادعاء عن أمجادهم و انتصاراتهم الخطابية حتى ليحسبون إن ما قالوه قد فعلوه , و إنه لم يبق شيء عظيم أو جيد لم يفعلوه لكي يفعلوه..".

عندما أصدرت المحكمة الدستورية حكمها برفض طعن الحكومة بالدوائر الخمس في سبتمبر الماضي كتبت مقالة أستغرب فيها من بهجة و سرور رموز المعارضة و جماهيرها بهذا الحكم و تسابقهم على كاميرات الصحافة للإعلان عن انتصارهم المؤزر بالرغم من أن حيثيات الحكم نسفت أربعة "مبادئ" سعدونية أساسية هي :

1-     عدم جواز رجوع الحكومة – وحدها – إلى المحكمة الدستورية و يجب أن يكون للقضية طرفان فبينت المحكمة جواز ذلك .
2-     عدم جواز إقحام القضاء في الخلافات السياسية فجاء الحكم بأن ذلك من صميم عمل المحكمة الدستورية .
3-     الأمة هي مصدر السلطات جميعا و المجلس سيد قراراته فأوضح الحكم بأن سيادة الدستور الذي تفسره المحكمة فوق سيادة الأمة .
4-     عدم اختصاص المحكمة الدستورية بالدوائر الانتخابية و جاء الحكم بـ"رفض الطعن" أي أن من حق المحكمة النظر في مسألة الدوائر .

 



رغم كل هذا الدمار الشامل للـ"مبادئ" السعدونية إلا أن المعارضة أشادت بالحكم و بعدالته , و كان السؤال الذي يشغلني هو هل هذه المعارضة بلا "مبادئ"؟ أم أنها ذات "مبدأ" يتغير حسب المصلحة ؟ و في الحالتين لم لا يقوم أحد العقلاء من جماهيرها بالسؤال عن هذا التناقض ؟

بطبيعة الحال لم أجد إجابة على سؤالي و بلعت الموس إلى أن جاء الحكم بسجن مسلم البراك بالسجن لخمسة سنوات بتهمة "التعدي على الذات الأميرية و مسند الإمارة", و كان قراري حينها بعدم التعليق على الحكم إلى أن تتضح أمامي الرؤية بالكيفية التي سيدير فيها دفاع البراك معركة الاستئناف .

و للحديث عن هذا الحكم علينا توضيح "مبادئ" المحاكمات القضائية , ففي المحكمة يكون هناك طرفين يفصل بينهما القاضي حسب القانون الموجود أمامه , و من حق كل طرف أن يأخذ وقته الكافي للدفاع عن نفسه و إثبات وجهة نظره من خلال "المرافعة" أو الاستعانة بشهود , و جرى العرف على أن يطالب الشاكي دائما بأقصى عقوبة كما يطلب المتهم دائما بالبراءة (حتى و إن كان مذنباً).

أما القانون الذي حوكم به مسلم البراك فينص على :

"يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز خمس سنوات كل من طعن علنا أو في مكان عام , أو في مكان يستطيع سماعه أو رؤيته من كان في مكان عام عن طريق القول أو الصياح أو الكتابة أو الرسوم أو الصور أو أية وسيلة أخرى من وسائل التعبير عن الفكر , في حقوق الأمير و سلطته , أو عاب في ذات الأمير , أو تطاول على مسند الإمارة".

و في هذه القضية كان جهاز أمن الدولة هو الشاكي و هو من طالب – بطبيعة الحال – بأقصى العقوبة و هي السجن لخمس سنوات , أما المتهم فكان مسلم البراك برفقة ما يزيد عن ثلاثين محامياً لم "يترافع" أياً منهم للدفاع عنه بسبب رفض المحكمة لطلب المتهم باستدعاء الشيخ جابر المبارك – رئيس الوزراء – للمحكمة كشاهد في القضية , فـ"مبدأ" المحكمة هو أن الشيخ جابر المبارك "لا علاقة له بالواقعة لا من قريب أو بعيد و هو ليس بشاهد نفي أو إثبات في هذه القضية" و أن المتهم يصر على استدعائه للشهادة كـ"تكتيك" قانوني لإطالة أمد القضية و المماطلة فيها .

هكذا استمر العناد "المبدئي" بين الطرفين – المحكمة و المتهم – على مدى أربعة جلسات هي 28-1 و 11-2 و 25-3 و 8-4 , فالمحكمة أصرت على أن "يترافع" المتهم للدفاع عن نفسه و هو أصر على حقه باستدعاء الشاهد – رئيس الوزراء – و رفض التنازل عن هذا الـ"مبدأ" فكانت النهاية في قبول سماع القاضي لمرافعة الشاكي (أمن الدولة) و عدم سماعه لمرافعة الدفاع (مسلم البراك), و بما أن الشاكي يطالب بأقصى عقوبة فكان له ذلك و حكم القاضي بالسجن خمس سنوات على المتهم الذي ماطل أيضا في تنفيذ الحكم و تسليم نفسه .

و لا أخفي عليكم هنا بأني و بالرغم من اقتناعي الشخصي بما ذهبت إليه المحكمة إلا أني كنت معجب بتمسك البراك و درزنين المحامين إلي معاه بالمبدأ و إصرارهم على حضور الشاهد إلى المحكمة , لكني فضلت عدم التعليق حتى تتبين لي تكتيكات فريق الدفاع أمام محكمة الاستئناف لتأتي المفاجأة التي لم تفاجئني و هي أن المتهم و فريق دفاعه بلعوا "مبدأهم" السابق بعدم الترافع قبل مثول رئيس الوزراء أمام المحكمة و ترافع بدل المحامي أربعة دفاعاً عن البراك فحكمت المحكمة بوقف "نفاذ" حكم الخمس سنوات إلى صدور حكمها في الشهر القادم .

و كالعادة خرجت المعارضة بعلامات النصر و البهجة و السرور لتمكنها من كسر خشم السلطة الغاشمة رغم أنها هي من كسرت "مبدأها" بعدم الترافع دون شهود و هي من أكدت "مبدأ" قاضي أول درجة بحسم القضية دون الخضوع لتكتيكات فهلوية القانون , و بذلك يكون المنتصر الحقيقي هو السلطة القضائية التي لم تخضع للابتزاز الجماهيري و صيحات "يا مسلم يا ضمير الشعب كله", بل أن مسلم و فريقه أثبتوا بأنهم "ظاهرة صوتية" لا تعرف سوى الحديث و الصراخ على صعود القمر و امتلاكه بلا "صعود و لا امتلاك".

و يظل سؤالي الأزلي عالقاً...هل هي معارضة بلا "مبادئ"؟ أم أن "مبدأهم" يتغير حسب المصلحة ؟