Tuesday, May 31, 2016
Saturday, May 14, 2016
الراعي الخليجي... والأغنام السورية !!
قصة ’’الراعي
والذئب‘‘.. من القصص التي لازالت عالقة في ذهني منذ الطفولة، وتدور أحداثها
حول ’’راعي‘‘ كان يقوم برعاية الأغنام خارج القرية،
وذات مرة سمع أهل القرية صوته منادياً: ’’الذئب..
الذئب!!‘‘.. وعندما هبّوا لنجدته وجدوه
يضحك ويقول: ’’آسف.. آسف.. لقد كنت أمزح معكم!!‘‘.
وبعد هذه الحادثة بأيام، تكرر نفس
المشهد ثانية.. ثم كررها ثالثة.. فاتخذ أهل القرية قراراً بعدم أخذه على محمل
الجد، وعدم نجدته في المستقبل حتى لا يصبحوا مادة لسخرياته المتكررة.
وفي يوم من الأيام، تفاجأ الراعي بالذئب يهجم على أغنامه فعلاً، فبدأ بالصراخ طلباً لنجدة
أهل القرية، إلا أن أحداً منهم لم يعره اهتماما، فقد خسر صاحبنا كل ما لديه من مصداقية، وبذلك لم يتمكن من حماية أغنامه، فخسر الإثنين
معا، المصداقية والأغنام!![1]
هذه القصة الساذجة، تذكرني
بالاستراتيجية التي أدارت فيها ’’دول الخليج‘‘ معاركها
الإقليمية في مرحلة ’’الربيع العربي‘‘، فهذه الدول
بقيادة المملكة العربية السعودية وقطر، وبتبعية إجبارية للبحرين، واندفاعية حماسية
للإمارات، وتململية ترددية للكويت[2]،
وجدت في هذا ’’الربيع‘‘ فرصة سانحة لتضخيم النفوذ
الإقليمي والتخلص من الكيانات المزعجة في المنطقة حسب مبدأ ’’زلقة بـ طيحة‘‘!!
فـ بما أن الجماهير الغاضبة تمكنت
من الإطاحة بحكم ’’زين العابدين بن علي‘‘ في 29 يوماً، و’’حسني مبارك‘‘ في 18
يوماً، فليس من المستبعد أن تتمكن من الإطاحة بحكم ’’البعث‘‘
وبشار الأسد في سوريا خلال عشرة أيام، لكن الجميع فوجئ، ومنذ الأيام
الأولى، بقوة تماسك النظام السوري ووقوف الجيش العربي السوري مع قيادته، فكان لابد
هنا من استخدام الخطة ’’B‘‘!!
أما الخطة ’’B‘‘، فهي تعتمد على استنساخ النموذج الليبي وتطبيقه في
سوريا، فكما يعلم الجميع، ساهمت الشخصية المضطربة للزعيم الليبي معمر القذافي في تسهيل عملية ’’استصدار‘‘ قرار دولي
بالتخلص منه، فمع بداية انتشار المظاهرات الثورية في ليبيا خرج القذافي في خطابه الانفعالي
قائلاً:
’’سنزحف أنا
والملايين لتطهير ليبيا... شبر شبر!!... بيت بيت!!... دار دار!!... زنقة زنقة!!...
فرد فرد!!‘‘[3].
وبطبيعة الحال، عندما نترجم هذا
المقطع حرفياً إلى اللغة الإنجليزية سيظهر بالشكل التالي:
“With
millions (of fighters), I will move to CLEAN Libya… span by span!!... home by
home!!... house by house!!... road by road!!... person by person!!”
ولكم أن تتخيلوا ’’ردة فعل‘‘ السياسي الغربي والأوربي - الذي لا يفهم
ثقافة ’’الهياط‘‘ و’’المبالغات‘‘ عند العرب – على هذا الخطاب، وعلى هذه الفقرة
بالذات، حيث أنها كانت كافية لاستكمال الصورة الكلاسيكية[4]
للدكتاتور المخبول الذي لا يتورع عن البطش بشعبه و’’تطهيره‘‘
من كل من يقف في وجهه!!
وبالتالي، أصبح من السهل إستصدار
قرارات أوربية – ودولية - تسمح لقوات ’’حلف الناتو‘‘ بالتدخل
المباشر لإسقاط الزعيم الليبي، خاصة وأنه لم يكن مسنوداً من إحدى القوى العظمى،
ولم يكن محبوبا بين الزعماء العرب، فأدى ذلك إلى تطبيق الخطة ’’B‘‘ عليه باحترافية عبر الخطوات التالية:
1-
فرض حظر جوي على الطيران الليبي.
2-
فرض الحماية الدولية على مدينة ’’بنغازي‘‘
وجعلها منطقة ’’عازلة‘‘
ينطلق
منها الثوار تدريبيا وإداريا ولوجستياً.
3-
قيام طائرات حلف الناتو بالتمشيط الجوي وتمهيد الطريق للثوار من خلال قصف قوات
القذافي قبل التحامها بالثوار.
وبطبيعة الحال، أدت هذه الخطة
المُحكمة إلى قصقصة أجنحة القذافي وتكتيفه، فتم بقر بطنه والقضاء عليه بالسكاكين
بعد أن أصبح عارياً وحيدا يهيم على وجهه في العراء!!
وقد استوعب حكام العرب هذه الخطة
وهذا الدرس جيداً، فـ لإسقاط أي نظام حاكم، نحن بحاجة إلى هذه العناصر السبعة:
1-
ثورة شعبية تشمل من 60% إلى 80% من الشعب (غالبا ما تتكون هذه النسبة من
المعارضة بسبب القمع والديكتاتورية التي يمارسها النظام وجلاوزته، وتتضاعف هذه
النسبة عندما يبدأ بالتفكك والتهافت، خاصة بعد التعرض لعمليات الدعاية الإعلامية
التحريضية).
2-
إثبات جنون ووحشية قائد النظام وعدم تردده في ارتكاب المجازر
ضد شعبه.
3-
تفكك الفعاليات الرئيسية في النظام وخاصة
الوزراء والسفراء وكبار الضباط.
4-
وقوف جيشه على الحياد أو الاصطفاف خلف الشعب
الثائر.
5-
وقوف المجتمع الدولي ضده وتتابع استصدار القرارات الدولية
الممهدة للتدخل الدولي المباشر.
6-
فرض حظر جوي على النظام وفتح الأجواء الجوية للطيران
المساند للثوار.
7-
اقتطاع منطقة ’’عازلة‘‘ تكون ’’عاصمة‘‘ الثوار ومركز قيادتهم وتسليحهم
واستراحتهم وتمويلهم.
لكن النتيجة السيئة التي انتهت عليها الثورة الليبية، جعلت العقلاء
ينتبهون إلى أن سهولة إسقاط الأنظمة لا تعني بشكل من الأشكال سهولة تأسيس نظام ’’بديل‘‘ ينقل البلد إلى حال أفضل،
فالتجربة العراقية والمصرية واليمنية والليبية، تثبت بأن سقوط الأنظمة الدكتاتورية
يتبعه في أغلب الأحيان كوارث إنسانية واقتصادية
وسياسية واجتماعية، وكلما تورطت الأيدي الأجنبية في هذه العملية، كلما كانت
الانهيارات اللاحقة أكثر عنفاً وشراسة.
هذه النظرية، لم تكن محل اهتمام
الأنظمة الخليجية في منتصف العام 2011، فالمهم اليوم هو إسقاط حكم بشار الأسد بأي ثمن، وبعد ذلك سيتدبر العالم أمر اقتسام
تركته وإعادة بناء الدولة السورية، وهذا ما جعل دول الخليج تنتهز فرصة خروج نسبة
لا بأس بها من السوريين للمطالبة بحقوقهم الإنسانية
والسياسية والمعيشية لتحقيق هدفها الأكبر وهو إسقاط النظام السوري المتحالف
مع ’’إيران‘‘ و’’حزب
الله‘‘ وتنصيب نظام جديد يدور في مدارات الوصاية الخليجية.
ولأن دول الخليج، بكل ما فيها من فعاليات
شعبية وحكومية وحقوقية وسياسية وإعلامية وعلمية وعسكرية ودينية ومشيخية لا يمكنها
أن ترى العالم إلا من منظور طائفيتها المذهبية
البغيضة، وعنصريتها العرقية السخيفة، وسطحيتها السياسية العبيطة، قامت بإسقاط هذه المعايير
القذرة على منظورها للثورة – أو الاحتجاجات – السورية.
مقال نشره المعارض السوري ميشيل كيلو في العام 2012
فبدأت ماكنات الإعلام الخليجي بتسليط
أضوائها الطائفية على المشهد السوري، فتحولت القضية تدريجياً من قضية شعب يثور من
أجل حُرياته الديمقراطية والحقوقية والاقتصادية، إلى قضية شعب ’’سُني‘‘ يثور ضد نظام ’’علوي
نُصيري شيعي‘‘ يحكمه بالنار والحديد والقمع والديكتاتورية!!
وهكذا هبَّ سلفيو الخليج وإخونجيتهم
لترويج هذه الرؤية القاصرة للقضية، ولحقتهم بعد ذلك قطعان الشعوب البترودولارية،
فبدأت التبرعات تنهال باسم الانتصار لـ’’أهل السُنة
والجماعة‘‘، وبدأت أفواج المجاهدين تتسلل
إلى سوريا برعاية ’’أوردغانية‘‘ باسم الدفاع عن ’’أهل
السُنة في بلاد الشام‘‘، وهكذا تحولت القضية الحقوقية إلى قضية طائفية، وذابت وجوه القيادات
المدنية للمعارضة السورية في بحور القيادات الداعشية والقاعدية وما بينهما.
المعارض السوري الليبرالي برهان غليون في رئاسة المجلس الوطني السوري في 2011
ولأن ملايين الدولارات وملياراتها
لا يمكن أن تأتي بنتيجة ’’ذكية‘‘ لأفعال ’’غبية‘‘، استمرت الوصاية الخليجية للمعارضة السورية في
الخطة ’’B‘‘، وهي تعتمد على استدراج قوات ’’حلف
الناتو‘‘ للتدخل بالأزمة السورية، وإسقاط بشار الأسد كما تم سابقا مع
القذافي، لكن الرياح لا تجري دائما كما تشتهي السفن!!
فرغم كل المحاولات المستميتة لـ’’الجزيرة‘‘ و’’العربية‘‘، إلا أن الحالة السورية لم تنطبق عليها أياً من المعايير
السبعة المذكورة أعلاه، فنسبة كبيرة من الشعب السوري لا زالت تتمسك بالنظام،
وشخصية بشار الأسد الهادئة والمتزنة – والعلمانية - لم تظهر ميوله للبطش والتوحش والتطهير، والأغلبية العظمى من أركان نظامه المدنية
والعسكرية لم تتفكك عنه وتنفصل، والجيش العربي السوري في مجمله يحارب بشراسة مع
النظام، وبالتالي لم يتمكن المجتمع الدولي من استصدار قرارات مباشرة بالتدخل في
سوريا، خاصة مع وجود الفيتو الروسي والصيني
بالمرصاد.
وهكذا فشل صقور الخليج في فرض حظر
جوي على الأجواء السورية، وفشلت تركيا في استقطاع ’’حلب‘‘ كمنطقة عازلة تكون مركزا
لانطلاقة الثوار، وحتى تكتمل أركان الفشل الخليجية
والتركية، سقطت كل محاولات هذا التحالف بإيجاد ’’بديل‘‘ مدني ديمقراطي ليبرالي ينجح
في إقناع ’’حلف الناتو‘‘ والغرب بأن مستقبل سوريا بلا ’’أسد‘‘ سيكون أفضل من حاضرها
وماضيها!!
ولأن أموال البترودولار ليس لها
قيمة في يد أصحابها، وهي قادرة على شراء ذمم مرتزقة الإعلام العربي، لم تستوعب دول
الخليج الفشل النهائي لاستخدام الخطة ’’B‘‘ مع الحالة السورية، ولم تتقبل سقوط مشروع إثبات ’’قذّافية‘‘ ’’الأسد‘‘، ولم تيأس من محاولات استدراج
القوات الغربية لحسم المعركة في سوريا، فبعد ’’الحولة‘‘ و’’الكيماوي‘‘ و’’مضايا‘‘
و’’حلب‘‘، تستمر الـ هاشتاقات الخليجية في
الهشتقة، علّ وعسى أن تتمكن من إقناع أوباما بالتدخل!!
لكن أوباما، ومن خلفه زعماء ’’حلف
الناتو‘‘ والمبعوث الدولي للأمم المتحدة ليسوا بهذه السذاجة والغباء التي تجعلهم
يسقطون في فخ ’’الشهوات‘‘ الخليجية، فقد استوعبوا
الدرس من قصة ’’الراعي والذئب‘‘، ولم يعودوا يعيرون
’’الراعي‘‘ الخليجي اهتماماً، خاصة بعد احتراق
أيديهم بلهيب اللاجئين والعمليات الإرهابية، وبالتالي ساهمت سوء نوايا ’’الراعي‘‘ في الكشف عن ظهر أغنامه للذئاب، وازدياد
أوضاعها السيئة سوءا!!
بل أن النتائج جاءت عكسية تماما
للخطة ’’B‘‘، فبدلا من تأتي ’’أمريكا‘‘ لنجدة
المعارضين جاءت ’’روسيا‘‘ لنجدة النظام، وبدلاً من
يأتي ’’حلف الناتو‘‘ لنصرة الرغبات الخليجية جاء ’’الحرس الثوري‘‘ للانتصار لـ بشار!! وبذلك أصبح الخليج
بأمواله وإعلامه وفبركاته وطائفيته وعنصريته وقذاراته عبئا
على المعارضة السورية وثورتها!!
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا
ينجح العالم كله في استيعاب درس ’’الراعي والذئب‘‘،
وتفشل الكروش الخليجية في استيعاب هذا الدرس البسيط!؟ ولماذا تستمر وسائل الإعلام
الخليجية في ترسيخ هذا الفشل والغباء عبر ترويج الأكاذيب وتغييب الحقائق!؟
لماذا لا تذكر وسائل الإعلام
الخليجية بأن الحرب في سوريا ليست حربا طائفية أو
عرقية يمارسها ’’العلويون‘‘ ضد ’’أهل السُنة والجماعة‘‘، وأن النظام السوري وجيشه يعُجّون
بالقيادات ’’السُنية‘‘، فرئيس الوزراء وائل الحلقي ’’سُني‘‘،
ووزير الخارجية وليد المعلم ’’سُني‘‘، ووزير
الأوقاف محمد السيد ’’سُني‘‘، ومفتي سوريا أحمد
حسون ’’سُني‘‘، ووزير الإعلام عمران الزعبي ’’سُني‘‘، ووزير الدفاع الذي يقتل جيشه ’’أهل السُنة‘‘ ’’سُني‘‘، ووزير الداخلية الذي تعتقل مخابراته ’’أهل السُنة‘‘
’’سُني‘‘!!
لماذا تتساخف أجهزة الإعلام
الخليجي في تصوير المشهد السوري على أنه حرب يشُنها ’’قذافي‘‘
سوريا ضد الأطفال والنساء والشيوخ وفي الوقت نفسه تتلذذ في نقل إحصائيات
القتلى من ’’حزب الله‘‘ و’’الحرس الثوري‘‘ الإيراني!!
فإذا كانت الحرب ببساطة بين نظام
مدجج بالسلاح ضد أطفال ومدنيين عُزَّل، فمن الذي يقتل العشرات من ضباط الحرس الثوري
الإيراني والجيش السوري!؟ أليس من المنطقي أن يتساقط هؤلاء بسبب شراسة المعارك
والمواجهات بين قوات النظام وقوات المعارضة!؟
أنا هنا لا أتساءل عن موازين الحق
والباطل، أو عن تأييد هذا الطرف أو ذاك، بل أتساءل فقط عن المصلحة الكامنة في
تشويه الحقائق وإخفاء الصورة الموضوعية للمعركة!؟
والتي أنتجت في النهاية انقلاب موازين التأييد العالمي إلى صالح الأسد ضمنياً، واقتناع
الحلفاء بعدم جدوى الاستماع إلى الوَنوَنة
الخليجية!!
ألا تنطبق صورة القصف الجوي على ’’حلب‘‘ في سوريا على صورة القصف الخليجي على ’’صنعاء‘‘ في اليمن!؟
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، لماذا لا
يذكر الإعلام الخليجي مصدر ’’شرعية‘‘ الرئيس هادي
والتي تستحق أن يُسحق المسحوقين في اليمن من أجل إعادتها!؟
لماذا لا يذكر الإعلام الخليجي أن
’’شرعية‘‘ الرئيس هادي جاءت من انتخابات ’’صورية‘‘ لم
يخضها غيره!! وأن الحوثيين وغيرهم من فئات الشعب اليمني قاطعوا هذه الانتخابات ولم
يعترفوا بها منذ البداية!؟
لماذا يرسم الإعلام الخليجي المشهد
اليمني باللون الأبيض والأسود، فيصنع من ’’هادي‘‘
بطلاً للشرعية، بينما يصف الحوثيين وصالح بـ’’المتمردين‘‘ و’’المخلوع‘‘، دون
الإشارة إلى أن شعبية هؤلاء في اليمن تتجاوز شعبية هادي بعشرات المرات!!
لماذا لم تنقل وسيلة إعلامية
خليجية واحدة صورة الحشود الضخمة التي خرجت لتأييد علي عبدالله صالح قبل شهر ونصف
من الآن!؟ ألا يحق للجمهور الخليجي أن يعرف حقيقة الشعبية التي يتمتع بها خصمه!؟
صورة الجماهير الغفيرة التي خرجت تأييدا للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح بمناسبة مرور عام على بداية ’’عاصفة الحزم‘‘ في 26-3-2016، والصورة من جريدة الجارديان البريطانية
تعليق الواشنطن بوست على نفس التجمع ووصفه ’’بالضخم‘‘لل
ألا يساهم اختزال المشهد بين
اللونين الأبيض والأسود في خلق جمهور ببغائي غبائي يردد
ما يتلقاه من وسائل الإعلام دون تفكير أو تحليل موضوعي لحقيقة الأمور!؟
ألا تساهم هذه الرسائل الإعلامية
المغلوطة في استدرار أموال التبرعات التي تنتهي في العادة بأيدي أمراء الحرب وشيوخ الطوائف الإرهابية!؟ ألا يساهم هذا التزييف
والتحريف في اندفاع الشباب الخليجي للجهاد في سوريا نصرة لـ’’أهل السنة والجماعة‘‘
لينتهي بهم الحال جثث هامدة!؟
ألا يساهم كل هذا الجنون المفبرك
في انتقال المعركة إلى بلداننا وشوارعنا ومناطقنا ومساجدنا وتهديد أمننا في
أوطاننا!؟
ألم يحن الوقت ليستريح ’’الراعي‘‘ قليلاً ويكف عن العبث والتلاعب في مصير
أغنامه ومقدرات أهل القرية!؟
اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد!
[1] القصة لا زالت تتمتع بشعبية كبيرة في مختلف
المجتمعات والحضارات، ويمكنكم مشاهدتها كرتونيا على هذا الرابط.
أيضا يمكنكم مشاهدتها في الدقيقة 49 من
مسرحية ’’سندريلا‘‘ على هذا الرابط.
[2] تعاملت سلطنة عمان بترفع وفوقية مع هذه
الأجندة الخليجية، فهي لا تخضع مصير الدولة والشعب للأمزجة المتقلبة والقرارات
الارتجالية لحكام الدول الخليجية النفطية، ولهذا لم تنخرط السلطنة في أي من هذه
النشاطات المغامراتية!!
[3] بعد لحظات من هذه الكلمات، قال القذافي موجها
خطابه لدولة قطر الشقيقة: ’’بارك الله فيكم يا إخوتنا في قطر... هذه آخرتها!؟...
هذا الماء والملح إللي بيننا وبينكم!؟... هذا الدم والأخوة إللي بينا وبينكم!؟...
تزوروا في كل شيء علينا!؟... بدل ما تكونوا معانا تكونوا ضدنا!؟... لمصلحة من؟!...
بالله لمصلحة من!؟... قد تندمون في يوم لا ينفع الندم!!... الذي بيته من الزجاج لا
يرجم الناس بالحجارة!!‘‘.
Thursday, April 28, 2016
أمير الرؤية... ورؤية الأمير!!
في لقائه على قناة العربية، يقول
ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للمذيع تركي الدخيل:
’’صار عندنا حالة إدمان نفطية...
هذي خطيرة.. وهذي إللي عطَّلت تنمية قطاعات كثيرة في السنوات الماضية‘‘.
وأنا أتفق تماما مع سمو الأمير،
إدمان النفط خطير، لكن إدمان الاستماع إلى ’’تطبيل المنافقين‘‘ أخطر بكثير، فهؤلاء
المرتزقة آفة كل حاكم، ولذلك أعتقد بأن سمو الأمير لا يحتاج اليوم إلى شيء، بقدر
الحاجة إلى أشخاص يقولون له رأيهم بصراحة، دون نفاق أو تسلق للحصول على شرف
الانضمام إلى حاشيته، ومن هذا الباب أكتب هذا المقال، للتعليق على البرنامج الذي
طرحه سموه تحت عنوان ’’رؤية السعودية 2030‘‘[1].
وقد يتساءل البعض، مالذي يجعل كاتب
كويتي يهتم ويُعلِّق على ’’خارطة طريق‘‘ أو ’’رؤية‘‘ تختص بالمملكة العربية
السعودية!؟
والإجابة على هذا السؤال هي أن المملكة العربية السعودية الدولة الأكثر
تأثيراً على الكويت من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وأن أي تغيير
يحصل في المملكة سيؤثر مباشرة في الكويت سواء إلى الأفضل أو الأسوأ، ولذلك، فمن
واجب كل محلل سياسي كويتي أن يتابع ’’رياح التغيير‘‘ التي تهب على دول الجوار
عامة، والمملكة العربية السعودية خاصة.
أما عن أهمية الأمير محمد بن
سلمان، فلا ينكر أحد بأن قرار تنصيبه المبكر ولياً لـ ولي العهد قد أصاب الجميع
بالدهشة، خاصة وأننا لم نسمع أو نعرف عنه الشيء الكثير قبل تولي والده (الملك
سلمان) سدة الحكم، وأعتقد أنه في حال سير الأمور في مسارها المرسوم وعدم حدوث
اضطرابات، سيكون للأمير محمد بن سلمان دور محوري في المنطقة للخمسين سنة القادمة.
لذلك، فمن الضروري متابعة هذا
الرجل وفهم شخصيته، حيث يُطلق عليه في السعودية لقب Mr. Everything أو السيد ’’كل شيء‘‘ على ذمة مجلة ’’بلومبيرغ‘‘ الأمريكية.
وقبل الدخول في صلب الموضوع لمناقشة
’’الرؤية‘‘، علينا التنويه بأن فهم هذه الرؤية وأسلوب الأمير ’’بن سلمان‘‘ في
تسويقها يعتمد على سلسلة من الخطوات وليس خطوة واحدة، فقد بدأ الأمير بالتسويق لها
عالمياً عبر مؤسسة ’’بلومبيرغ‘‘ العالمية من خلال مقابلة مكتوبة، ثم انتقل للتسويق
لها محلياً وعربياً من خلال الظهور المتلفز على قناة ’’العربية‘‘ الفضائية، وتزامن
ذلك مع نشر نص الرؤية الواقع في 40 صفحة تقريباً، ومن دون دراسة هذه الخطوات
الثلاثة ستكون رؤيتنا للرؤية قاصرة.
الأمير محمد بن سلمان:
يبلغ الأمير محمد بن سلمان الحادي
والثلاثين من عمره، وهذه سن مبكرة جداً على تولي المناصب القيادية بالدولة، وهذا
ما جعلنا نشعر بأنه تمكن من الوصول إلى مجموعة المناصب المفصلية التي وصل إليها من
باب مجاملة الوالد لـ ولده، لكن ظهوره الأخير وإعلانه للرؤية جعلنا نُغيِّر وجهة
نظرنا، ونعتقد بأن تسلمه لهذه المناصب أتى من باب الـ’’حاجة الماسة‘‘ التي يشعر
بها الوالد (الملك) للتطوير والتجديد الذي لا يمكن أن يتحقق إلا على يد ولده.
وربما يكون محمد بن سلمان فعلاً
شخصية ’’استثنائية‘‘ بين شباب الأسرة المالكة في المملكة العربية السعودية، حيث
أظهرت ’’الرؤية‘‘ انشغاله الوجداني بمصير وطنه، بينما نجد بقية الشباب من الشيوخ
والأمراء ينشغلون بالتفاخر على بعضهم البعض بالقصور واليخوت والسيارات الفارهة!!
ومن خلال المقابلة، يمكنني القول
بأن الأمير محمد يحيط نفسه بمجموعة من ’’النخب الأول‘‘[2]
من رجال الاقتصاد والاستثمار الانفتاحيين، حيث شعرت في كثير من فترات المقابلة بأن
المتحدث أمامي أحد مدراء شركات الاستثمار العالمية، وليس أمير سعودي يُفترض أن لا
تتجاوز همومه إطار منافسة إيران على النفوذ وتسليك الأجندة الأمريكية في المنطقة.
ولا أخفيكم سراً بالقول أن الـ’’كاركتر‘‘
الاقتصادي للأمير محمد تفوق بمراحل على ’’كاركتر‘‘ الأمير الوليد بن طلال، الذي يُفترض
أن يكون رجل الاقتصاد الأول في العائلة المالكة.
والملاحظ أيضاً، أن الأمير محمد
يعاني من ’’هوس التنظيم‘‘، أو أنه Restructuring Freak، أي أنه يرى
بأن ’’إعادة التنظيم‘‘ (أو إعادة الهيكلة) بحد ذاته جزء أساسي من حل المشكلة، وهو
يستعين بأهم بيوتات الاستشارات العالمية للقيام بهذه المهمة.
وهذه صفة أساسية في القائد الناجح،
حيث أن إعادة تنظيم الأمور وفك التشابكات تساعد على تحديد حقوق وواجبات جميع
الأطراف، وتمهد للقائد آلية اتخاذ القرار السليم وفق التسلسل المنطقي الصحيح
لحلحلة المشاكل المطروحة.
أما الأهم من كل ما سبق، فهو أن
الأمير محمد بن سلمان، ظهر بمظهر الشخص القادر على تقبل النقد[3]،
على عكس أبناء عمومته الذين لا يتحملون أقل درجات النقد، سواء كانت حول أداء
المنتخب في مباراة لكرة القدم أو اتهام بالاستحواذ على أراضي الدولة، وهذه النقطة
بالذات، هي ما دفعني لكتابة هذا المقال.
الرؤية وأسبابها الحقيقية:
الرؤية.. أو الـ Vision، عادة ما تكون
’’هدف مستقبلي‘‘ يضعه متخذ القرار على قمة هرم الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها،
وتحديد هذه الرؤية في وقت مبكر يجعلها بمثابة ’’نقطة تحكيمية‘‘ أو Bench Mark يُقاس عليها كل القرارات التابعة.
أي أنك عندما تضع رؤية تعتمد على
هدف خفض نسبة البطالة من 10% إلى 5%، فإنك ستقوم بقياس كل قراراتك المستقبلية على
هذا الهدف المحدد مسبقا، والقرار الذي يتناسب مع هذا الهدف ستوافق عليه، أما القرار
الذي يتعارض معها فـ سترفضه على الفور.
وبالرغم من كل المحاولات التي
تبذلها السلطات السعودية في التلطيف من أسباب حاجتها – المُلحة - إلى تطبيق هذه الرؤية،
فإن السبب الحقيقي بالاستعجال بتطبيقها هو انكشاف هشاشة الوضع الاقتصادي للدولة
خلال السنة الماضية، فـ تكاليف الحرب على اليمن، والتنافس مع المحور الإيراني من
جهة، والمحور التركي/القطري[4]
من جهة أخرى، استهلك ميزانية المملكة واحتياطياتها النقدية، وجاء ذلك في فترة
حساسة انخفضت فيها أسعار برميل النفط إلى أقل من 30 دولارا أحيانا[5].
وبذلك تعرضت الميزانية إلى عجز
يقارب الـ 200 مليار دولار (60 مليار دينار كويتي تقريبا)، ويقول المستشار
الاقتصادي للأمير محمد بن سلمان عن هذه النقطة[6]:
’’المملكة تتجه مسرعة نحو الإفلاس.
وفق مستويات الإنفاق الأخيرة في أبريل، من المتوقع أن تفلس المملكة العربية السعودية
في غضون عامين فقط، في أوائل عام 2017، هكذا يقول الشيخ. وتجنبًا لحدوث تلك الكارثة،
خفض الأمير الميزانية بنسبة 25 بالمئة‘‘.
ويضيف المستشار:
’’أخمن أن هناك ما يقرب من 80 إلى
100 مليار دولار من الأموال المهدرة في كل عام، أي ما يقرب من ربع الميزانية السعودية
بأكملها‘‘.
ومن أجل التمكن من سد هذا العجز
وتصريف العاجل من الأمور، اضطرت المملكة اليوم للاقتراض وتخفيض مصاريف الدعم على
الكهرباء والماء والوقود، وستضطر في المستقبل إلى تطبيق الرؤية المستقبلية التي
هندسها الأمير محمد بن سلمان وفريقه الاستشاري، والتي تهدف بشكل أساسي إلى تنويع
مصادر الدخل وتخفيف الاعتماد على النفط.
والغريب في الأمر، أن هذه الأسباب
ظهرت بوضوح في رسالة الأمير العالمية عبر ’’بلومبيرغ‘‘، لكنها لم تظهر بنفس الوضوح
في مقابلته على قناة ’’العربية‘‘، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، كيف ستتمكن الرؤية
من تحقيق هذه الأهداف!؟
رؤية السعودية 2030:
تعتمد الرؤية المستقبلية التي
طرحها سمو الأمير محمد بن سلمان على ثلاثة محاور أو مُرتكزات رئيسية، وتهدف كل
منها في حال نجاح تطبيقها إلى تنويع مصادر الدخل أولا، وبالتالي تخفيف الاعتماد
على النفط ثانياً:
المحور الأول: العمق العربي
والإسلامي للمملكة العربية السعودية كونها حاضنة الحرمين الشريفين في مكة
والمدينة.
المحور الثاني: استغلال القدرات
الاستثمارية للمملكة العربية السعودية، سواء القدرات الذاتية أو القدرات الجاذبة
لرؤوس الأموال الخارجية.
المحور الثالث: استغلال موقع
المملكة الجغرافي كنقطة اتصال بين ثلاثة قارات (آسيا وأوربا وأفريقيا).
وقد تم طرح العديد من الأفكار
والخطط والمشاريع التي سيساهم كل منها في تحقيق أهداف هذه الرؤية عبر إحدى المحاور
السابقة، والجدير بالذكر، أن لهذه المحاور جوانب استراتيجية وسياسية أيضاً بالرغم
من عدم التركيز عليها، وسأحاول هنا شرح أهم هذه الأفكار والخطط والتعليق عليها، مع
الربط بينها وبين ما تم طرحه في الكويت سابقا:
صندوق الاستثمارات العامة:
حسب فهمي (المتواضع)، بأن الحكومة
السعودية أسست صندوق استثماري أطلقت عليه اسم ’’صندوق الاستثمارات العامة‘‘، وستقوم
الحكومة بتحويل ملكية مساحات شاسعة من العقارات المملوكة للدولة إلى ملكية هذا
الصندوق، وقد تصل قيمة هذه العقارات إلى ترليون ريال سعودي (80 مليار دينار
كويتي)، أيضاً ستقوم الحكومة بتحويل ملكية ما نسبته 5% من شركة أرامكو النفطية إلى
هذا الصندوق.
وهذا ما سيجعل قيمة الأصول التي
يديرها هذا الصندوق تتجاوز الـ 2 ترليون دولار (600 مليار دينار كويتي)[7]،
وهذا ما سيجعله الصندوق الاستثماري الأكبر بالعالم، وبعد أن تتحول هذه الأصول إلى
هذا الصندوق، سيتم طرحه للاكتتاب العام، وسيتمكن المستثمرين من شراء حصصهم فيه، وبالتالي
ستستفيد الدولة (التي تسيطر على الصندوق) من إدخال سيولة هائلة على ميزانيتها.
وللأمانة التامة، أعتقد أن هذه الفكرة ذكية،
لكنها ليست عبقرية، فالأمير محمد حاول التسويق لها بالحديث عن ’’الشفافية‘‘
و’’تضخيم سوق الأسهم السعودي‘‘ و’’الانتقال من الاعتماد على النفط إلى الاعتماد
على الاستثمار‘‘، لكن هذه الأهداف ليست ذات أهمية جوهرية، والهدف الأهم منها جميعا
هو النجاح في جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية وإدخال مبالغ هائلة على خزائن
الدولة.
أقول بأن هذه الفكرة ’’ذكية‘‘
لكنها ليست ’’عبقرية‘‘ أو استثنائية، فالكويت وأبوظبي وقطر يمكنها القيام بهذه
الخطوة بسهولة من خلال خصخصة جزء من مؤسساتها النفطية وأملاك الدولة العقارية.
ولا ننسى بأن الدولة هنا ستتنازل عن جزء من ثرواتها الطبيعية وأصولها الاستراتيجية المستقبلية في مقابل الحصول
على السيولة الحالية، أي أن السعودية ستبيع احتياطياتها النفطية الكامنة تحت الأرض
مقابل الحصول على سيولة مالية آنية تساعدها على التحرك وتنويع استثماراتها
العالمية.
البطاقة الخضراء أو الـ Green Card:
للأسف الشديد، وبالرغم من اعتماد
دول الخليج على الوافدين بشكل أساسي في مختلف الأعمال والمهن، إلا أنها تتعامل مع
هذه الفئة بطريقة ’’طاردة‘‘، فهي تتشدد معهم أمنياً وتعيق استقرارهم بالدولة من
خلال منعهم من التملك العقاري وعرقلة عملية إحضارهم لعائلاتهم.
ولمواجهة هذه المشكلة، طرحت ’’الرؤية‘‘
فكرة إعطاء ’’البطاقة الخضراء‘‘ أو ’’الإقامة الدائمة‘‘ لبعض فئات الوافدين حسب
الشروط المحددة، وسيتمكن الوافد الحاصل على هذه البطاقة من تأسيس الشركات والتملك
العقاري في بعض المناطق مما سيساهم في استقراره بالبلد، وبالتالي استقرار أمواله
أيضاً، وهذه العملية ستساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي وزيادة معدلات الأمن في
الدولة.
فعندما يتعامل الوافد مع الدولة
على أنها ’’وطن‘‘، سيساهم في حفظ أمنها ونظافتها ومنشآتها.
وهذه فكرة ذكية طبقتها ’’دبي‘‘ في
السابق وأنا أؤيد تطبيقها في الكويت أيضاً.
تحويل المملكة العربية السعودية
إلى مركز تجاري أو Business
Hub:
هذه الفكرة تعتمد على عاملين
رئيسيين:
1-
تطوير البنية التحتية للمطارات والموانئ وسكك الحديد والجسور
والفنادق المهيئة لاستقبال رجال الأعمال.
2-
تسهيل إجراءات خدمة رجال الأعمال من إصدار التأشيرات
وتأسيس الشركات وقوانين الضرائب.
ولكي لا نتعب أنفسنا بالشرح، يكفينا
الإشارة إلى نموذج ’’دبي‘‘ التي طبقت فكرة الـ Business Hub في أزهى وأرقى صورها.
وهذه فكرة ذكية أيضا، لكنها ستحتاج
إلى مجهود كبير لنقل المجتمع السعودي من الحالة ’’الطاردة‘‘ إلى الحالة
’’الجاذبة‘‘ للمواطنين والأجانب على حد سواء، فكيف سيتم جذب رجال الأعمال الأجانب إلى
السعودية، والسعوديون أنفسهم يقيمون في دبي والبحرين هرباً من التزمت والانغلاق
المجتمعي في السعودية.
فرجال (ونساء) الأعمال الأجانب لن
يقبلوا بأن يزجرهم شخص رُبع متعلم لتغطية الوجه أو الخروج من السوق أو التوجه
للصلاة!!
وربما.. ومن هذا الباب، بدأ الأمير
محمد بن سلمان في الكشف عن توجهاته بتحرير المرأة السعودية في مقابل قصقصة أجنحة
رجال ’’هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‘‘، أيضاً طرحت الرؤية وبشكل واضح
فكرة الالتزام بـ’’حقوق الإنسان‘‘ ورفع مستوى المنشآت الترفيهية والسياحية من
متاحف ومسارح، بل أنها نصّت بشكل واضح على دعم وجذب المؤلفين والمخرجين
والفنانين!!
وهذه كلها أفكار جريئة وصادمة للمجتمع
السعودي الذي ستحاول بعض فئاته مقاومة هذا التغيير سلميا وتصادمياً.
زيادة أعداد الحُجاج والمعتمرين:
تعتمد الجزيرة العربية منذ آلاف
السنين على الحج كمصدر من مصادر الدخل والتنشيط الاقتصادي للدولة، وهو مصدر ثابت
ومستقر بثبات واستقرار الإسلام والمسلمين، وقد اعتمدت ’’رؤية السعودية 2030‘‘ على فكرة
زيادة مداخيل الدولة من الحج والعُمرة في نقطتين:
1-
تطوير البنية التحتية المتعلقة بالحج والعمرة من فنادق
وسكك حديد مما سيجعلها قادرة على استيعاب أعداد أكبر من الحجاج والمعتمرين.
2-
تكثيف الأنشطة الترفيهية والسياحية والثقافية المرتبطة
بالحج والعمرة مما سيجعل كل حاج ومُعتمر يستمتع أكثر في رحلته الروحانية وبالتالي
يصرف المزيد من الأموال في هذه الرحلة.
وهذه فكرة ذكية بلا شك، بل أنها
فكرة ’’ثورية‘‘ فجرها الأمير محمد بن سلمان عندما تساءل قائلاً:
’’معقولة إنك إنت قبلة المسلمين..
وأهم بلد إسلامي.. وما عندك متحف إسلامي في المملكة العربية السعودية!؟.. هل هذا
يُعقل!؟‘‘.
ثم استرسل الأمير بفكرة تأسيس أكبر
متحف إسلامي في العالم، ونحن لا نشك في قدرة المملكة وامتلاكها للمقتنيات التي
ستجعل من هذا المتحف الأفضل في العالم، لكن المفارقة هنا هي أن الوهابيون من أتباع
الملك المؤسس (عبدالعزيز) هم من حاربوا الآثار الإسلامية وقاموا بتخريب وتهديم
مقدسات المسلمين من قبور وأضرحة ومواقع المساكن والغزوات وغيرها!!
وأعتقد أن طرح الأمير لهذه الفكرة،
وبهذه الطريقة، فيها من الجرأة والثورة الشيء الكثير والذي سيجعله يتصادم مع
أساطنة السلطات الدينية في المملكة.
تخفيض الإنفاق العسكري:
’’هل يُعقل.. إن 2014.. السعودية
أكثر رابع دولة في العالم تنفق عسكرياً.. و 2015.. السعودية أكثر ثالث دولة في
العالم تنفق عسكرياً.. وليس لدينا صناعة (عسكرية) داخل السعودية!؟‘‘.
’’عندنا مشكلة في الإنفاق العسكري..
مو معقول.. إن إحنا ثالث أو رابع أكبر دولة في العالم تنفق في المجال العسكري
وتقييم جيشنا في العشرينات.. هناك خلل!!‘‘.
بهذه الكلمات القليلة، عبّر الأمير
محمد بن سلمان عن استنكاره وسخطه الشديد على سياسات التسليح المتبعة في وزارة الدفاع
السعودية على مر العقود الماضية!!
ويحق له ولنا أن نتساءل، كيف لجيش
يُصرف عليه ما بين الـ 50 إلى 90 مليار دولار سنوياً أن يعجز عن تحقيق أي هدف
استراتيجي أمام ميليشيات الحوثيين خلال سنة كاملة!؟ بالإضافة إلى التقاريرالعسكرية التي تؤكد ضعف القدرات العسكرية للجيش السعودي بالمقارنة مع الجيوش
الأخرى!!
ويشدد تقرير ’’بلومبيرغ‘‘ على أن ’’أصبحت
العقود (العسكرية) أكبر مصدر للفساد‘‘، أي أن هذه الأموال الطائلة التي كانت تُصرف
على تسليح الجيش السعودي ذهبت في الأرجح على شكل عمولات وكوميسيونات لأطراف
متعددة، وفي ذلك انتقاد غير مباشر من الأمير محمد لـ عمه الأمير سلطان بن
عبدالعزيز الذي كان يسيطر على وزارة الدفاع السعودية منذ العام 1962 إلى 2011!!
ولو كان الناطق بالفقرات السابقة
شخص آخر لتم اتهامه فوراً بالعمالة لإيران والصفوية والخروج على ولي الأمر!!
القنبلة الأخرى التي فجرها الأمير
محمد، إعلانه عن تخفيض الإنفاق العسكري الخارجي بنسبة 50%، وفي هذا الإعلان ضربة
مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تعتمد على هذه المبالغ سابقاً، خاصة
وأن هذا الإعلان يأتي في وقت يتكالب فيه مرشحوا الرئاسة الأمريكية على تهديد المملكة
العربية السعودية سواء بالمطالبة بمزيد من الأموال أو فتح باب التحقيق في علاقة
أطراف سعودية بأحداث 11 سبتمبر.
أعتقد، بأن النقطة الأخيرة بذاتها،
ستجلب على الأمير الشاب الكثير من العداوات والمشاكل سواء من مؤسسات الدولة
العميقة في المملكة أو من خارجها، ويمكنني القول بأن طرح هذه ’’الرؤية‘‘، حتى وإن
لم تتحقق، كان بحاجة إلى شجاعة من الأمير محمد بن سلمان، فالتغييرات الجذرية لا
تأتي بسهولة، ولنقل بأنها لا تأتي بلا ثمن، وقد يكون الثمن باهظا في هذه الحالة.
في نهاية المطاف، وبالرغم من
تعاطفي مع الأمير محمد بن سلمان وتأييدي لأغلب ما جاء في رؤيته، إلا أنني سأكون
صادقا بالقول بأن المملكة وبقية دول الخليج لن تتمكن من التخلص من لعنة الاعتماد
على النفط في الإطار الزمني المتوسط، أو سنة 2020 كما أعلن الأمير، فالمسألة هنا
لا تعتمد على الحماسة والتحفيز، لكنها تحتاج إلى عمل وجهد وتغييرات أشبه بالصعقات
الكهربائية!!
لكن عدم تحقيق هذا الهدف، لا يعني
فشل ’’الرؤية‘‘، فأغلب ما جاء فيها من تغييرات مستحقة ستنقل المملكة العربية
السعودية ودول الخليج معها إلى مكانة أفضل مما هي عليه اليوم، ويبقى ذلك مرهونا في
التفات حُكام الخليج إلى شعوبهم، والإيمان بأن الدلال المادي لن يأتي بنتيجة
إيجابية إن لم تصحبه نهضة ثقافية وتثقيفية تحول الإنسان الخليجي من ’’علّاقة
ماركات‘‘ إلى كائن مفكر ومبتكر قادر على تحليل الأمور بموضوعية.
فللأسف الشديد، ساهم الحُكام بشكل
مباشر في عمليات تجهيل الشعوب الخليجية، فأصبحت هذه الشعوب تتلذذ بالجهل وتطرب له
وتحرض حكامها عليه كلما سنحت لها الفرصة، وأصبحت ترى في الممارسات الجاهلية بطولات
وخوارق سوبرمانية وهمية، وعندما جاءت ساعة الحقيقة، وأصبح الحُكام مجبرين على
العودة إلى التصرف بعقلانية، لم يجدوا شعوبهم قادرة على استيعاب المستجدات، فتورط
الحاكم بشعب جاهل، وتورط الشعب بحاكم متعقل، والله ولي التوفيق!!
[1] كل علم يتجدد، وتظهر فيه نظريات جديدة، ما سأذكره في هذا المقال يعتمد بشكل أساسي على فهمي الخاص لعالم الاستثمار
والمال والاقتصاد، وقد تفوتني هنا بعض الأمور المستجدة التي لا أعلم بها أو بكيفية
عملها.
[4] تحدث وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم
عن هذا الموضوع في مقابلة أجراها مع جريدة الـ Financial Times الإنجليزية.
[7] يُعتقد بأن حجم الصندوق السيادي الكويتي
يقارب الـ 170 مليار دينار كويتي تقريباً، أما الصندوق السيادي الإماراتي فيقترب
من الـ 260 مليار دينار تقريباً.
Subscribe to:
Posts (Atom)