Sunday, June 05, 2011

و في الليلة الظلماء تظهر . . الوثيقة !

قبل الدخول في موضوع هذا المقال أود التوضيح بأن الوضع السياسي و المناخي و الفكري في الكويت أصبح خانقاً و لا يشجع على الكتابة , لذلك سأكتب هذا الموضوع من باب مليء وقت الفراغ و التسلية و أرجو أن لا يُؤخذ على محمل الجد , فهو يعتمد على شكوك و ظنون بنيتها على قاعدة "نظرية المؤامرة" و ليس لها أي دليل أو مستمسك مادي
.
بالرغم من الأحداث الدولية و الإقليمية المتفجرة حولنا إلا أن الحدث الأبرز محلياً خلال العام 2011 كان أحداث جلسة الثلاثاء الماضي , فمفاجآت تلك الجلسة جعلتني أقف على الميزان سبع مرات للتأكد من أني أنا أنا و هذاك مو أنا , أقول ذلك ليس بسبب كشف الستار عن صراع الأسرة أو كما أسماه عدنان عبدالصمد – ما قبل التأبين – حكومة تستجوب حكومة , فالحكومة كانت دائما تستجوب حكومة منذ بداية الحياة الديموقراطية الحديثة في الكويت عام 1963
.

.
المفاجأة كانت بسقوط سراويل نوابنا الأفاضل و الكشف عن عوراتهم الـ إع إف , هؤلاء النواب الذين سدوا آذاننا بصرخات "إلا الداستور" قبل أشهر معدودات ليأتوا اليوم و يسلبوا الوزراء لقبهم المحبب و يصبحوا هم "حطب الدامة" في يد أقطاب الصباح ناصر , و الصباح أحمد , و على طاري الأقطاب فقد كشفت أحداث الثلاثاء عن عمق الحفرة التي سقطت فيها الكويت حكومة و شعباً , فبعد سنوات و سنوات من تصوير الشيخ أحمد الفهد بالداهية الخطير و السياسي المثير و الفارس الذي يسبح و يطير إكتشفنا أن راعي الحرشة فضّل النحشة على حرشة الأعداء و دق المسامير التي تُثبِّتهم على صلبانهم
.



.
و النحشة هنا لا تعود على شكوته للخرافي بقوله "سبّوني و ضربوني" و عدم صعوده للمنصة و رده على عادل الصرخاوي , فأنا لا أصدر أحكامي على البروفات التمثيلية , لكن إهتمامي ينصب على الجرائم الموثقة , و جريمة النحشة هنا كانت في مذكرته للـ لجنة التشريعية , و التي لو قرأها ميسي لـ ترك برشلونة و تفرغ للعمل في كنتاكي الشامية و عفا الله مانشستر شر القتال
.

.
فالسياسي المحنك يرمي بأن إستجوابه من الألِف إلى الياء غير دستوري لأنه لا يحترم قرارات سمو الأمير بإعادة توزير الفهد ! و السؤال الذي يطرح نفسه هنا من أي بقالة دستورية وجدت هذه الحُجة ؟ و هل تأكدت شخصياً من شهادة من سوّغ لك إستخدامها ؟ ألا تعلم بأني لو كنت نائباً لإستجوب وزير التربية الذي صادق على شهادة الخبير الدستوري الذي صاغ لك هذه المذكرة ؟
.


.
و بما أن اللعب أصبح على المكشوف و إتفق نوابنا الأفاضل على كتابة أرقام حساباتهم فوق مؤخراتهم الـ إع إف , أجد أن من واجبي الحديث عن الخبير الدستوري الآخر عباس الشعبي و تابعه مسلم البراك , و أنا هنا لا أحكم على إجتماعهم بالصفاة و قيادة المسيرات الفوضوية , فكما قلت سابقاً أنا لا أحكم على البروفات التمثيلية , لكن الجريمة هنا هي الوثيقة – العفوية – التي أعلن عنها الثنائي عباس و شركاءه للمطالبة بإبتعاد أو رحيل , أو عزل أو نفي أو قتل سمو رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد و نائبه الشيخ أحمد الفهد
.


.
و قد حاولت التعامل مع الوثيقة كـ نشيدة و لم تطربني , و حاولت التعامل معها كـ نكتة فلم تُضحكني , لذلك وجدت نفسي مضطراً للبحث عن المستفيد من رحيل ناصر و أحمد على نفس الرحلة , فلم أجد غير صاحب الإعلام الطاهر مالك "قناة مباشر" زميلنا في تويتر الشيخ فهد سالم العلي حفظه الله و رعاه في منامه و مرعاه , لكن متابعتي لتغريدات الرجل و هي بالمناسبة ليست بروفات تمثيلية جعلتني أتأكد من بُعده عن السياسة و تركيزه الأكبر على العزايم و العشوات فقررت البحث عن مستفيد آخر , مستفيد لم تعجبه الأوضاع المحلية فترك الجمل بما حمل , إلا أن الوثيقة "العفوية" ستضع عن الجمل ما حمل , فـ يخف وزنه , و يزداد ثمنه , و يستدل على دربه , فيترك ناصر على شاطيء شويخ , و يسير إلى ناصر على شاطيء البدع , و من يعلم , فقد تُبدع البدع في المفاجآت السعيدة , مفاجآت تسعد البلاد و العباد من الخالدية إلى قرطبة , و من صباح الناصر إلى الجهراء
.


.
أكرر مرة أخرى بأنها مجرد ظنون بلا دليل , و لم البحث عن دليل لإقناع من يشعثر الأرض و يلطم الخد و يتسلق أعمدة الإنارة و يوقع على وثيقة "عفوية" بلا هدف و لا دليل
..!.

Friday, May 20, 2011

إرتجال مِن مَن لم يعتد الإرتجال

منذ البارحة و أنا أتلقى الأسئلة من بعض الأصدقاء و القراء عبر التويتر و الرسائل الخاصة حول موضوع التجمع المقام حالياً في ساحة الصفاة تحت عنوان "جمعة الدستور" , ما هو رأيك في التجمع ؟ هل ستشارك ؟ لماذا نعم و لم لا ؟




و بالرغم من عدم معرفتي بتفاصيله حيث أنني مبتعد عن الشأن السياسي منذ فترة إلا أن الفكرة العامة للتجمع واضحة بالنسبة لي , إختيار يوم الجمعة و تحديد "جمعة" في عنوان التجمع هو محاولة للربط بين "جُمعتنا" و بقية الـ"جُمعات" التي قام بها الشباب العربي في تونس و مصر و اليمن و البحرين و ليبيا و سوريا , و لأكن صريحاً معكم أقول بأن هذا الربط يجعلني لا أتحمس لمثل هذه التجمعات , فأنا من المؤمنين بمقولة "الحاجة أم الإختراع", و الواضح هنا أن الحاجة غير متوفرة لإختراع "جمعة الدستور" , لكن الإختراع أتى كـ تقليد مستورد من تجارب خارجية ألهبت حماسة الشباب الذي شعر بـ النقص لعدم نجاحه في تحقيق إنجاز كبير بالكويت رغم الحماس و النشاط الملحوظ منذ منتصف 2010




أما العنصر الثاني في عنوان التجمع فهو "الدستور" المغلوب على أمره بلا جرم أو ذنب , فعنصر الدستور - كـ إسم فقط - رأيناه بارزاً في الكثير من المناسبات و التجمعات و التكتلات السابقة كحملة إلا الدستور و تجمع نواب إلا الدستور و قد كتبنا سابقاً بأن هؤلاء النواب و أتباعهم آخر من يحق له المطالبة بتطبيق الدستور كأشخاص و أفعال , فالدستور الذي تتباكون عليه فيه الكثير من المواد الأهم من الإستجواب و مجلس الأمة و قد تم إنتهاكها منكم و من عرّابيكم بدم بارد و لم نرى منكم "هشة" للدفاع عنه , لذلك أعتقد أن إستخدام كلمة الدستور هنا جاءت كـ رشة الملح على الطبق الماصخ لجعله قابلاً للهضم




و من هنا فحكمي على التجمع بأنه نسخة جديدة من حملات قديمة و مستهلكة كحملة إرحل و كافي و السور الخامس و إلا الدستور الخ الخ الخ , مع العلم بأن أكثر هذه الحملات صراحة هي أولها و هي حملة إرحل , ليس لشيء إلا صدقها مع نفسها و جماهيرها في مطالبتها بـ رحيل رئيس الوزراء , أما بقية الحملات فهي مجرد محاولات لـ تلغيم حملة إرحل لجعلها أكثر قدرة على إجتذاب الجماهير , و من خلال طلاتي على التويتر أستطيع أن أقول بأن القائمين على كل هذه الحملات هم نفس المجموعة من الشباب




الملاحظة الأخرى على هذا التجمع هو نوعية العناصر التي ستتسيد الخطاب فيه و المتوقع أن يكونوا خليط من أعضاء مجلس الأمة كالبراك و الطبطبائي و الحربش بالإضافة إلى الناشطين السياسيين كالهيلم و الديين و إحتمال وجود الخنة مما يجعل هذا التجمع فاقد للأفكار الجديدة و الحلول المبتكرة حيث أن مزامير هؤلاء فقدت ألحانها من كثرة التكرار الممل في كل تجمع يحدث في كل بيت بيت , دار دار , زنقة زنقة , ساحة ساحة , فما الجديد الذي سيأتي به مسلم البراك صاحب نظرية الصراخ على قدر الألم ؟ و ما الإبتكار الذي سيأتي به مؤسس التيار التقدمي في الكويت بعد أربعين سنة من قراءة الفاتحة على قبره ؟




الواضح أمامي أن هذه التجمعات يقوم بها أشخاص بلا هدف سياسي حقيقي غير كثرة الظهور و البقاء في وجدان الناخبين حتى إذا حانت لحظة الإقتراع يفتح كل منهم صحيفة أعماله المليئة بالنشاطات الجهادية ضد السلطة فتكون له الأولوية له في إستحقاق الصوت




أما بالنسبة للـ"كارثة" الدستورية التي تستحق أن يكون لها جمعة دستور و هي تصويت النواب على تأجيل إستجواب رئيس الوزراء فالقصة لا تعدو كونها حلقة جديدة من حلقات المسلسل الكرتوني توم و جيري بين ناصر المحمد - و بكشته - و مجموعة نواب الإنتخابات المبكرة على الطرف الآخر , جيري يريد البقاء بالمنصب و الهروب من توم و توم يريد تخريب طموحات جيري المستقبلية عبر مواصلة إنهاكه حتى تخور قواه ساعة الصفر




للأسف أرى الكويت تمر بأسوأ مراحلها و أنا دارس و قاريء لتاريخ الكويت , و أعرف جيدا تاريخنا السياسي قبل النفط و بعده , قبل الغزو و بعده , في الـ 38 و الـ 67 و الـ 76 و الـ 86 , أقولها بمرارة ما بعدها مرارة , هذه أسوأ مرحلة في تاريخ الكويت , ليس بسبب قلة المصادر و لا بسبب تردي الخدمات و عدم تطبيق الدستور , لكن بسبب الجهل و الجهالة التي تتمرغ بها نسبة كبيرة من أبناء هذا الوطن بكل فئاته و مستوى أهميته , عوائل و حكام , نواب و وزراء , ناشطين و خاملين




لم يعرفوا و لم يستفيدوا من الثورات العربية غير إستخدام يوم الجمعة ليجعلوه جمعة الدستور يتخربشون به مع "جيري" , أليس بينكم من يفكر بما يحصل حول العالم من إنهيارات مالية و أنظمة سياسية ؟ ألم تتابعوا في الأمس خطاب أوباما و تستوعبوا حجم التغيرات الضخمة القادمة إلى المنطقة ؟ ألم تتأكدوا بعد من ضحالة فكر هايفكم و حربشكم و قلافكم و مطوعكم و طبطبائيكم ؟




يجرُّونكم خلفهم كالقطيع في تفاهاتهم بلا وعي أو فهم حول المخاطر المحيطة بهذا الوطن من داخل البلاد و خارجها , يختلفون في كل شيء و أي شيء و لا يتفقون إلا في التصويت على الزيادات و الكوادر كدّر الله أيامهم , مشاكل المواطن الكويتي ليست في وجود السفير السوري و إستقبال وزير إيراني , مشاكل المواطن الكويتي في البيروقراطية الحكومية و سوء التعليم و الرعاية الصحية , مشاكلنا في الخلل الأمني و الفجوات التشريعية , مشكلتنا في أزمة مياه و غذاء قادمة و تنويع فاشل للدخل , مشكلتنا في علاقة سيئة مع الجيران و إعتماد كلي على ترسانة دفاع خارجية , مشكلتنا أكبر من دستورية إستجواب و دستورية تحويله لمحكمة الدستور , مشكلتنا فيك أيها الإنسان الكويتي الجاهل بجهلك , النائم بصحوتك , الفوضوي بنظامك , البائس بسعادتك , المزدوج بكل معاييرك




إن كنت من أنصار دستور 62 و الواهمين المطالبين بتطبيقه فتجمع "جمعة الدستور" ليس مكانك , أما إن كنت من المطالبين بإقصاء ناصر المحمد و حل المجلس من أجل إنتخابات مبكرة فساحة الصفاة مكانك , إذهب إلى هناك و إستمع إلى صرخات بقدر الألم , إلا أنك لن تسمع صرخات الأرض التي تقف عليها و هي تشمئز من الأقدار التي جعلت شاكلتنا من سكانها




إصرخوا كما تريدون , أما أنا فليس لي إلا الصمت

Saturday, May 14, 2011

84-9

الإستهتار و الدِّعة


.


من الأمراض المزمنة التي أصابت القيادة السياسية في الكويت بالثمانينات


.


و المشكلة الأكبر عندما تقترن هذه الأمراض بمرض أخطر منها


.


و هو كثرة الكلام و علو الصوت الغير مقرون


.


بالعمل و القدرة عليه


.


و قد إنكشفت ورقة التوت في 2 - 8 - 90


.


عندما إتضح حجم الفقاعة التي كنا نعيش فيها


.

























Friday, April 15, 2011

84-8

ما أشبه الليلة بالبارحة

.

لا حاجة لي بالتعليق

.

أترككم مع 1984

.








Saturday, April 09, 2011

84-7

إفتتاح المدينة الترفيهية

.

و مسلسل مدينة الرياح

.

و دقت الساعة و الشاطر حسن

.

أحمد مطر و ناجي العلي

.








Tuesday, April 05, 2011

84-6

آسف على التأخير

.

لكني كنت مسافر و بعيد عن الأجواء السياسية في الكويت

.

لا أعرف من أين أبدأ هذه السلسلة

.

لا أعرف أيضا كيف أرتب و أصنف القصاصات و الأخبار

.

أصنفها حسب الموضوع؟

.

أم حسب التاريخ؟

.

هل أعلق عليها لتوضيح أهميتها ؟

.

أم أترك للقاريء فرصة التمعن في الخبر و إسقاطه على ما يشاء؟

.

قراري الأخرير هو أني سأحاول قدر الإمكان عدم التعليق على الأخبار

.

و سأحاول قدر الإمكان تصنيف القصاصات على حسب الموضوع

.

و بما أن الحديث اليوم يدور حول مخططات شبكة التجسس الإيرانية

.

بتفجير المصالح الأمريكية سنبدأ بموضوع

.

تفجير السفارة الأمريكية و السفارة الفرنسية

.

Tuesday, March 29, 2011

# ثمانينات

خلال الأسابيع السابقة تلقيت عدة رسائل في التويتر تسألني عن "وضع" هذه المدونة , هل هي نائمة فـ نوقظها ؟ أم أنها ميته فـ نترحم على شبابها ؟ الجواب الدائم كان أنها ليست نائمة و لا ميته و لكنها تنتظرني على أحر من الجمر للكتابة و كلما مررت بجانبها أجدها تتقافز نحوي و تبتسم بعتب و تسألني فينك يا راجل , إنت لِسّه عايش ؟

.

لذلك , أجد اليوم أن من واجبي توضيح سبب الغياب لها و لكم حتى تعذروني , السبب هو أني و منذ كتابة سلسلة مقال . . إلى الأرض أصبحت مدمناً للقراءة و البحث في السياسة حتى أتمكن من إكمال السلسلة بالشكل الذي أطمح إليه , و المشكلة في القراءة و البحث أنها تستهلك من الإنسان وقته و صحته و سعادته أحياناً , لكن ماذا أفعل و أنا عرجي عِرج مقاول إيراني عنيد إذا أراد أن ينجز شيء لا يتركه حتى ينتهي

.

و لكي يستوعب القراء حجم البحث الذي أعكف عليه أضع أمامكم نبذة بسيطة منه و هو صورة لأحد القوائم التي قمت بها و التي توضح معلومات عن الدول المؤثرة في العالم و علاقة كل منها بالأخرى , الصورة الأولى كما ترون عن روسيا

.

.

الصورة الثانية فيها ثلاثة دول

.

.

الصورة الثالثة أوضح

.

.

الصورة الرابعة توضح حجم العمل و البحث و عدد الدول التي تغطيها هذه الصفحة

.

.

و السؤال الذي يطرح نفسه هنا متى سأترجم كل هذه المعلومات إلى مقالات منشورة في هذه المدونة ؟

.

الجواب هو أنني سأحتاج إلى مزيداً من الوقت ليظهر العمل بالشكل المطلوب و أعدكم بأنه سيكون مثمر إنشاءالله

.

السؤال الآخر هو هل سأترك المدونة في حالة موت إكلينيكي إلى حين الإنتهاء من العمل ؟

.

الجواب هو لا , قبل أيام قليلة بدأ شباب التويتر بعمل هاش تاق عن التسعينات و قد لاقت هذه التجربة شعبية كبيرة بين المغردين مما جعلني أتشجع لإكمال عملي المؤجل منذ 2008 و هو نشر صور جرائد الثمانينات , لذلك قررت أن أشغل المدونة بصور الثمانينات إلى حين العودة من جديد , لن أعيد نشر ما نشرته سابقاً لذلك على من فاتته السلسلة أن يعود إليها في إرشيف ديسمبر 2007 إلى مارس 2008 و بهذا ستكون بدايتنا الجديدة مع أحداث عام 1984

.

شكرا للجميع و إلى اللقاء

.

Sunday, March 20, 2011

هبّت هبوب الجنّة وين إنت يا باغيها

.
حذرني بعض الأصدقاء من كتابة هذه المقالة بسبب الوضع المشحون طائفياً في المنطقة بشكل عام و الكويت بشكل خاص , و لأكون صادقاً معكم فإن التردد تسلل إلى نفسي إلا أنني في نهاية المطاف قررت الكتابة , إتخاذي لهذا القرار جاء أولا بسبب ثقتي في قدرتي على الكتابة الموضوعية , و ثانيا بسبب ثقتي في النضج السياسي لقراء هذه المدونة
.
تتجه أنظار العالم اليوم إلى ليبيا و طبول الحرب تتقارع هناك بسبب القرار الدولي في توجيه ضربة عسكرية لقوات القذافي في حال إقترابها من بنغازي و إعتدائها على الثُوار , أما نحن في الخليج فأنظارنا تتجه إلى البحرين و ما يجري على أرضها من فتنة أكلت الأجساد و النفوس , لن أخوض اليوم بتفاصيل الصراع في البحرين بين المعارضة – الثائرة – و السُلطة الحاكمة , فالتوتر في البحرين مستمر منذ وقت طويل و من الممكن تلخيص أسبابه – المعلنة - في النقاط التالية التي آخذها مباشرة من تقرير الخارجية الأمريكية لحقوق الإنسان لـ سنة 2009
.

.
مراقبة الإنترنت و المدونات و غرف المحادثة
.
منع الحكومة للتجمعات السياسية و المواضيع السياسية في دور العبادة و الجامعات و المدارس و المؤسسات الحكومية
.
منع قيام الطائفة الشيعية بالمآتم و المناسبات الدينية و السياسية بلا ترخيص من الحكومة
.
التعامل بعنف مع المتظاهرين من خلال رميهم بالرصاص المطاطي و غيره
.
عدم الشفافية العدالة في توزيع الأراضي بين الشيعة و سنة
.
مراقبة الحكومة للشيعة الذين يذهبون إلى إيران للدراسة في الحوزات الدينية
.
التمييز الإجتماعي ضد المواطنين الشيعة
.
تفضيل السنة في الوظائف الحكومية الرفيعة و الوظائف المتعلقة بالأمن , و تشكيل الشيعة لأقل من 1% من القوات المسلحة
.
تلقي الشيعة في القطاع الخاص رواتب منخفضة و إحتلالهم للوظائف الوضيعة
.
تجاوز الحكومة قوانين التجنيس و تسهيلها تجنيس مواطنين سُنة من دول الجوار بغرض التغيير الديموغرافي للتحكم بالإنتخابات – إدعاء للمعارضة
.
تغيير الدوائر الإنتخابية لضمان التحكم بنتيجة الإنتخابات
.
وجود أقلية شيعية في المناصب العليا بالرغم من تشكيلهم للأغلبية السكانية في البحرين , مثال على ذلك وجود 4 وزراء شيعة من مجموع 23 وزيراً
.
تجنيس الحكومة للعرب العاملين في القوة الأمنية بالرغم من عدم وجودهم في البلاد لـ 15 سنة , و ذلك غير متاح للشيعة الذين قضوا أكثر من 15 سنة في البحرين
.

لقراءة التقرير باللغة الإنجليزية
.
لقراءة التقرير باللغة العربية
.
من الواضح أن التحرك الأخير في البحرين مدفوع من عدة عوامل خارجية و داخلية , العامل الداخلي هو وجود أغلبية سكان شيعية تحكمها أقلية سنية و هذا سبب كافي لإحساس هذه الأغلبية بالظلم , أضف إلى ذلك وجود هذا الظلم فعليا على أرض الواقع من خلال التقارير الدولية و مشاهداتنا المباشرة , أما العوامل الخارجية فهي نجاح الثورة التونسية و المصرية في إسقاط الأنظمة الحاكمة هناك مما شجّع المعارضة البحرينية على السير في هذا الطريق , أضِف إلى ذلك عامل خارجي آخر و هو التنافس الإقليمي بين السعودية و إيران على مراكز النفوذ في البحرين
.

.
عند الحديث عن التنافس الإقليمي علينا توضيح توازنات النظام العالمي بشكل عام و الذي تنفرز فيه الدول إلى ثلاثة كيانات رئيسية و هي
.
الدول العظمى ذات نفوذ عالمي
دول عظمى ذات نفوذ إقليمي
دول صغيرة تتأثر و لا تُؤثر بالخارج
.
أعتقد أن الأحداث العالمية تجعل الجميع يتفق معي في إطلاق صفة الدولة العظمى على الولايات المتحدة و روسيا و الإتحاد الأوربي و الصين , أما الدول العظمى الإقليمية في الشرق الأوسط فهي مصر و تركيا و إيران و السعودية , و من المهم هنا توضيح المسار العام لكل منها
.
مصر
.
دولة عُظمى إقليميا من خلال تأثيرها الثقافي و الفكري على العالم العربي بشكل عام , أيضا مصر هي الدولة الأكبر من حيث عدد السكان و تصدير الأيدي العاملة , و هي حليفة لأمريكا لها موقع متميز تجاور فيه إسرائيل و السودان و السعودية و غيرها من الدول المهمة , و قد لعبت مصر دور محوري كبير في مفاوضات السلام بين العرب و إسرائيل إلا أنها بعد الثورة الأخيرة و إسقاط النظام السياسي هناك ستحتاج إلى سنة كاملة على أقل تقدير للعودة إلى دورها الإقليمي المعتاد
.

.
تركيا
.
دولة عُظمى إقليميا لها طموح كبير لتنظم إلى الدول العظمى عالميا من خلال إستغلال تاريخ الإمبراطورية العثمانية و موقعها الجغرافي المهم كحلقة وصل بين الشرق و الغرب , و هي عضو مؤثر في حلف الناتو و حليف إستراتيجي للولايات المتحدة و إسرائيل مع نزعة إستقلالية واضحة منذ وصول حزب العدالة و السلام – الإسلامي – إلى سدة الحكم , و من المهم هنا الإنتباه إلى تغير الأولويات التركية من الإنضمام إلى الإتحاد الأوربي إلى التراخي في هذا المسار و التركيز بشكل أكبر على لعب دور المدافع عن حقوق المسلمين و العرب للتمكن من لعب دور الجسر بين الشرق و الغرب
.
إيران
.
دولة عُظمى إقليميا لها تاريخ عريق لآلاف السنين و هي تتميز بالثروة النفطية و الغاز الطبيعي و الكثافة السكانية العالية و الموقع الجغرافي الحساس سواء على الخليج في الجنوب أو مجاورتها لعدة دول مهمة مثل روسيا و جمهورياتها المنفصلة و تركيا و باكستان و أفغانستان , أيضا تعتبر إيران نفسها راعية للمذهب الشيعي من خلال تسييسه بمنهج ولاية الفقيه و إمتداد نفوذها في العراق و سوريا مع الدعم المباشر لحزب الله في لبنان و حماس في فلسطين , إيران حليف – غير إستراتيجي - للصين و روسيا و منافس مباشر للنفوذ الأمريكي في المنطقة
.
المملكة العربية السعودية
.
دولة عُظمى إقليميا من خلال إنتاجها الضخم للنفط و قيادتها للعالم الإسلامي – السُني – بوصفها أرض الحرمين مكة و المدينة و تصديرها للفكر السلفي الوهابي إلى الأقطار المحيطة , أيضا المملكة تُعتبر من أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة و هي تلعب العديد من الأدوار من خلال دعم جهات سياسية في الكثير من الدول كـ لبنان و العراق و اليمن و باكستان
.
و لا يخفى على أحد هنا حالة التنافس التي تعيشها هذه الدول الإقليمية لبسط نفوذها على الدول الصغيرة في المنطقة , و مع إستبعاد مصر مؤقتاً ينحصر الصراع في المنطقة بين النفوذ التركي و الإيراني و السعودي , و من الصعب هنا الإتفاق على نقطة بداية هذا الصراع إلا أن إهتمامنا سينصب على السنوات القليلة الماضية , لذلك سأحدد مناطق الصراع بثلاثة محاور رئيسية
.
المحور الأول , الصراع التركي السعودي
.
يعود التنافس التركي "العثماني" السعودي على قيادة العالم الإسلامي السني إلى الأيام الأخيرة من عمر الخلافة العثمانية , و قد كان سقوط دولة الخلافة العثمانية و تحول تركيا إلى العلمانية سبب رئيسي في فتح المجال أمام قائد جديد للعالم الإسلامي السني , و قد كان التنافس على هذه القيادة بين إبن سعود في نجد و الشريف حسين بن علي في الحجاز , و قد إنتصر إبن سعود على الشريف ليُنصب نفسه قائداً للإسلام السني في العالم مع مساهمة البترودولار في إنتشار مذهبه الوهابي بين السنة
.
منذ وصول حزب العدالة و السلام – الإسلامي – لسدة الحكم في تركيا و هو يحاول إعادة تأسيس نفسه كقائد للعالم الإسلامي السني , فحزب العدالة و السلام يطرح نفسه كبديل حضاري ديموقراطي أمام الوهابية السعودية ذات الفكر المتحجر , و قد نجح أوردغان بتحقيق هذا الهدف من خلال مواقفه المشرفة "شعبياً" في مؤتمر دافوس و أسطول الحرية حتى أنه أصبح اليوم بطل قومي للمسلمين بشكل عام و السُنة بشكل خاص , أما القيادة السعودية فقد إبتعدت عن نبض الشارع و إقتصر نفوذها على ضخ الأموال هنا و هناك
.
المحور الثاني , الصراع التركي الإيراني
.
التنافس التركي الإيراني أقدم بكثير من التنافس التركي السعودي كون تركيا و إيران دول عظمى يمتد تاريخها لآلاف السنين , و قد إحتدم هذا التنافس بين الدولة العثمانية السُنية و الدولة الصفوية الشيعية , ثم تحسنت العلاقات عندما تحولت تركيا إلى العلمانية و لحق بها رضا شاه إيران في هذا المجال , ثم عادت العلاقة إلى الفتور بعد الثورة الإسلامية – الشيعية – و إنشغال إيران بالحرب العراقية الإيرانية
.
و قد شكل إنهيار الإتحاد السوفييتي فرصة جديدة للعب كل من إيران و تركيا لدور أكثر نشاطا في إقليم بحر قزوين , و قد تميزت علاقة البلدين بالودية و التعاون منذ وصول حزب العدالة و السلام إلى الحكم , فتركيا تطمح لتكون مركز تجمع الغاز في المنطقة و إيران تمتلك ثاني أكبر إحتياطي للغاز في العالم , أيضا تركيا تساهم في الوساطة بين إسرائيل و سوريا حليفة إيران الدائمة , و نجد هنا أن البلدين يشعران بالراحة في تقاسم الجماهير السنية و الشيعية في العالم
.
المحور الثالث , الصراع الإيراني السعودي
.
نستطيع أن نتعامل مع الصراع الإيراني السعودي بمنظور آخر و هو صراع الفرس و العرب , أو صراع السنة و الشيعة , فالتنافس بين دفتي الخليج لا نستطيع حصرها في هذه المقالة , إلا أن الثابت هو إشتعال هذا الصراع بعد الثورة الإيرانية التي شكلت خطرا على السعودية لسببين , السبب الأول هو ثورة الشعب على الأسرة الحاكمة مما يهدد كيانات الأُسر الحاكمة في الخليج بشكل عام , السبب الثاني هو شيعية هذه الثورة مما يجعلها خصم مباشر لـ سُنية السعودية و دول الخليج , لهذا بدأت المعركة مبكراً بين الدولتين من خلا الأحداث الآتية
.
دعم السعودية للعراق في حربه مع إيران
.


.
دعم السعودية لأياد علاوي و دعم إيران للمالكي في العراق
.
دعم السعودية للحريري و دعم إيران لحزب الله في لبنان
.
دعم السعودية لفتح و دعم إيران لحماس في فلسطين
.
محاولة السعودية و الإمارات التأثير على علاقة الصين بإيران من خلال إغرائها بالنفط و التجارة
.
دعم السعودية حكومة البحرين من خلال إرسال قوات درع الجزيرة و دعم إيران للمعارضة من خلال قناة العالم و تصريحات القيادة الإيرانية و أمين عام حزب الله
.
و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أين الكويت من كل ذلك ؟
.
الكويت , و بسبب تكوينها السكاني 30% مواطنين 70% وافدين و تكوينها الطائفي 30% شيعة و 70% سنة و موقعها الجغرافي المجاور لإيران الشيعية و العراق ذو الأغلبية الشيعية و السعودية السنية يجعلها لا تتمتع بـ حيِّز كبير من الحرية في إتخاذ مواقفها الإقليمية , فالكويت جرّبت نيران الصراعات الإقليمية من تفجيرات و خطف طائرات بسبب موقفها الداعم للعراق في حربه مع إيران , السياسة الكويتية بشكل عام تتبع السياسة السعودية في القضايا الخارجية إلا أن قضية البحرين تختلف , فالواضح أمامنا اليوم هو ضعف القدرات السياسية – و ليست المالية – للسعودية في قيادة المنطقة
.

.
فقد خسرت السعودية معركتها ضد إيران في الإنتخابات العراقية بنجاح المالكي على علاوي , و خسرت السعودية معركتها في لبنان بخروج الحريري من الحكومة , بل أن السعودية إتخذت قرارات معاكسة للتيار العالمي في إستقبالها للرئيس التونسي السابق بن علي و هو المطلوب للعدالة في بلاده , و لا ننسى هنا موقف السعودية الداعم للرئيس المصري حسني مبارك و عرضها للدعم المالي المضاعف في حال توقف الولايات المتحدة عن دعمه , يتم كل ذلك في الوقت الذي تخصص إيران و مرشدها الأعلى علي خامنئي خطبة الجمعة و باللغة العربية لدعم ثوار ميدان التحرير
.

.
كل هذه المؤشرات تجعل الكويت تتحفظ و لا تغامر في الزج بنفسها في أتون الصراع الإقليمي , خصوصا و هي تحتفل بمرور 50 عام على الإستقلال و يتمتع أميرها الحالي بالإحترام الدولي و الإقليمي الذي رأينا ثماره في الوساطة بين أبو ظبي و مسقط , و الواضح أن سموه يفضل القيام بدور تصالحي سلمي بين اطراف الصراع في البحرين , فقد أرسل سموه وفداً شعبياً – شيعياً – للإلتقاء بالمعارضة البحرينية و ولي عهد البحرين , أيضا أعلن سمو الأمير عدم مساهمة الكويت بقوات درع الجزيرة العسكرية و تفضيله المساهمة السلمية من خلال إرسال وفد طبي عملاق للبحرين
.

.

ليس من المستغرب - بالنسبة لي - إثارة مواقف الكويت المستقلة إمتعاض بعض الأطراف الخارجية كـ إيران أو السعودية , لكن المثير في الأمر أن تُزعج مواقف سمو الأمير الحكيمة أطراف داخلية كـ تجمع ثوابت الأمة و نوابه الذين أعلنوا تقديم إستجواب لرئيس مجلس الوزراء بسبب عدم مشاركة الكويت في قوة درع الجزيرة , و المفارقة هنا أن المعارضة الكويتية التي طابلت قبل أيام بإسقاط الحكومة الكويتية تقف اليوم ضد المعارضة البحرينية التي تطالب هي أيضا بإسقاط الحكومة البحرينية
.

.
و السؤال هنا حسب أي معيار يعطي وليد الطبطائي لنفسه الشرعية في "التعافر" مع رجال القوات الخاصة في الصليبخات و لا يعطي نفس الحق لزميله المعارض البحريني في دوار اللؤلؤة ؟ و إن كان دكتور وليد يطالب المعارضة البحرينية بالإمتثال لأوامر ولي أمرهم الملك حمد آل خليفة لماذا لا يُطبق نفس المبدأ على نفسه و يمتثل لأوامر ولي أمره سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد ؟ ما هذا التناقض و الإزدواجية التي يتمرغ فيها الطبطبائي و رهطه ؟ أم أنهم صادقين في ما يدعون إليه من طاعة ولي الأمر , إلا أن لهم ولي أمر آخر غير سمو الأمير؟ ولي أمر يعدهم بالجنة و يصيح فيهم
.
إبراهيم يا عمود الدين , محمد يا رسول الله , هبّت هبوب الجنّة , وين أنت يا باغيها*
.

____________________________

*صيحة الإخوان في حرب الجهراء على الكويت

Sunday, February 20, 2011

إنه إستيراد الثورة . . و ليس تصديرها

.
يختلف الناس في تعريف مصلح "الدولة" , لكن عقلي البسيط يُعرِّفها على إنها إجتماع لثلاثة عناصر رئيسية هي الأرض, الشعب الذي سيعيش عليها , و الحكم الذي سيدير حياة الشعب على تلك الأرض . و عند النظر إلى طبيعة تلك العناصر, نجد أن الأرض هي العنصر الأكثر حيادية , فالأرض تقبل الإنضمام أو الإنفصال عن غيرها من الأراضي بلا تودد أو تردد , كما أنها تقبل أي شعب و أي حاكم بلا عناد أو تحدي و دون أن تبدي ترحيباً أو ترهيبا
.

.
أما الشعب , فهو العنصر الأهم في الدولة , فـ المفهوم العام للدولة لا يستقيم بلا شعب , الأرض المهجورة ليست "دولة" , و الحاكم بلا شعب ليس حاكما على "دولة" , و الشعب , متى ما سكن أرضاً و نصَّب على نفسه حاكما , سـ يكون قد زرع البذرة الأولى لتشكيل "الدولة", و عند دراسة تاريخ الإنسان و الشعوب نجد أن أغلب الشعوب لا تنشد في الحياة غير السلام و الإستقرار و العيش الكريم بلا ذُل أو ظلم
.


.
المُكَوِّن الثالث للدولة هو الحُكم , و الحكم هنا ينقسم إلى الحاكم – الفرد – و الجهاز المعاون الذي يمارس من خلاله الحاكم حكمه , و يتكون هذا الجهاز في العادة من أفراد و مؤسسات نطلق عليها في صفتها الكُلية مصطلح "السلطة الحاكمة", و تتلخص أهداف السلطة الحاكمة بثلاثة مراحل رئيسية هي
.
الوصول إلى الحكم
.
المحافظة على الحكم و تأمينه
.
التوسع الخارجي في الحكم لتضخيم الثروة
.


.
و تختلف طرق و أساليب وصول تلك السلطات إلى الحكم , و في العادة تحكم أغلب السُلطات الحاكمة شعوبها دون أن تصل إلى مرحلة التوسع الخارجي للحكم و الثروة , ومن وصل منها إلى هذه المرحلة و نجح في تحقيقها يدخل التاريخ من أوسع أبوابه ليضعه في مصاف العظماء و الفاتحين , بل أن التاريخ يكرمه متعمداً في تهميش سلبياته و غض البصر عنها , على أية حال .. ليس الهدف من هذا المقال تحليل مدى تاريخية التاريخ و إنتقاده , إنما الغرض منه هو التركيز على المرحلة الثانية من أهداف " السلطة الحاكمة " و هي المحافظة على الحكم و تأمينه , و في هذا السياق نذكر نصيحة الداهية ميكافيلي للحكام التي قال فيها
.
إجعل الشعب يُحبك
.
لكن إجعله أيضاً يخاف منك
.
و إذا كان الخيار بين الحب و الخوف , فالـ خوف أولى من الحب
.
لكن إحذر أيها الحاكم .. إحذر .. إحذر , من أن يتحول هذا الخوف إلى كُره
.


.
و عند التساؤل عن كيفية تحول خوف الشعب من حاكمه إلى كره يلخص ميكافيلي أسباب هذا التحول بسببين رئيسيين يتفرع منهما بقية الأسباب و هما
.
قطع الأرزاق و محاربة الشعب في لقمة عيشه
.
إنتهاك كرامة الشعب عبر إستباحة أعراضه
.


.
فالشعب الجائع الذي لا يحصل على قُوت يومه و تُنتهك كرامته في عرضه هو شعب ليس لديه شيئاً يخسره , و إذا لم يسارع القضاء و القدر في وفاة الحاكم فإن الثورة عليه قد تسبق قضاءه و قدره و ربما تكون شبه مؤكدة وما هي إلا مسألة وقت يحددها توقيت نزع الفتيل الأول للثورة
.
أقول قولي هذا و نحن نعيش في أسخن بقاع المعمورة و تحيط بنا الثورات من كل جهة و جانب , فـ مع بداية عام 2011 سجّل جنوب السودان إنتصار ثورته على الشمال بالإنفصال عنه , و بهذا حصل " شعب " الجنوب على حقه في تقرير مصيره و الإستئثار بثرواته , و لم تسعفنا الأيام الوقت الكافي لإستيعاب الصدمة , حتى فاجأنا " شعب " تونس الخضراء بثورة الياسمين على " حاكمه " زين العابدين بن علي الذي إستوعب – و فهم – الدرس بعد فوات الأوان لـ يرحل عن " الأرض " و يعيش كمواطن عادي تلاحقه القضايا و الشكاوي حول العالم , و قبل أن تستكين رياح المنطقة عاجلنا " الشعب " المصري بثورته التاريخية على " سُلطته الحاكمة " ليجبر " الحاكم " محمد حسني مبارك على التنحي عن السلطة حتى يعيد الشعب إختيار من يحكمه
.


.
هكذا قدمت " شعوب " جنوب السودان و تونس و مصر " حكامها " قرابين على مذابح الحرية المنشودة و المستقبل الأفضل , و لا نشك للحظة بأن النجاح الذي حققته هذه " الشعوب " قد ألهب حماس بقية " شعوب " المنطقة للسير على درب الثورة و الحصول على حقها الأصيل في تقرير المصير , و السؤال الذي تبادر إلى ذهن الجميع ، من هو الثائر القادم ؟
.


.
للإجابة على هذا السؤال علينا العودة إلى مصطلح " الثورة " و تصحيح مفهومنا المغلوط حولها , فمنذ نجاح الثورة الإيرانية في نهاية السبيعنيات و " دُول " المنطقة بشعوبها و حكامها تعيش هاجس " تصدير الثورة " القادم من إيران , أي أن الخميني " حاكم " إيران الجديد سـ يُرسل ثورته إلى الدول المحيطة لتنقلب الشعوب على حكامها بين يوم و ليلة , لكن الفهم الموضوعي " للثورة " يجعلنا نتيقن من سذاجة من كان يروج لهذا المصطلح لأن الثورة بطبيعتها غير قابلة للتصدير , لكنها بالتأكيد قابلة للإستيراد
.


.
و عند العودة إلى المعنى العام لمفردة " تصدير" نجد أنها تعتمد على طرفين يعيش كل منهما في مكان مختلف عن الآخر , و يملك الطرف الأول سلعة – أو شيء – يريد نقله – تصديره – إلى الطرف الثاني , و السؤال هنا عن السبب الذي يجعل الطرف الثاني – المُستورِد - يقبل بما يأتيه من الطرف الأول – المُصدِّر- ؟ فلو كان الطرف الثاني سعيداً بالثياب التي يلبسها ما الذي يجعله يقبل الثياب " المُصدّرة " إليه من الطرف الأول ؟ أما إن كان الطرف الثاني عارياً ليس لديه ما يلبس فإن " الحاجة " ستدفعه لـ " إستيراد " الثياب من الطرف الأول مهما غلا ثمنها , و هذا ما يجعلنا نبحث عن " الحاجة " التي تدفع الشعوب لـ " إستيراد " ثورات و تجارب الشعوب الأخرى ؟
.


.
هنا نعود لنسأل ماذا تريد " الشعوب " ؟ و ما هي حاجاتها ؟ الإجابة على هذا السؤال هي أن " الشعب " يريد العيش بكرامة تمكنه من ممارسة أنشطة حياته اليومية بلا ظلم و لا ذل و لا قهر , أي أن الشعب يحتاج إلى الأمن و الأمان , و الرعاية الصحية و التعليمية و السكنية و الوظيفية , و الحرية الشخصية الفكرية و العقائدية و التعبيرية بلا إضطهاد أو خوف , أو كما لخصها ميكافيلي بلا خوف من قطع في الأرزاق , أو إنتهاك للكرامة في العِرض , و هذا ما جعل الساسة عبر العصور ينشغلون في البحث عن أفضل الوسائل التي تحفظ " للشعوب " حاجاتها كوضعهم لقوانين حقوق الإنسان و الدساتير و الإنتخاب الديموقراطي الذي يهدف في محصلته النهائية إلى تمكين " الشعب " من إختيار كل أو جزء من " السُلطة " التي تحكمه
.
و السؤال الأخير في هذا الشأن هو هل " الشعوب " العربية تنعم بـ " حاجات " الشعوب الأساسية التي ذكرناها في الفقرة السابقة أم أنها بـ " حاجة " إلى " إستيراد الثورات " للحصول على حاجاتها ؟
.


.
إجابة هذا السؤال نجدها في الجدول أعلاه الذي أضع فيه ثلاثة مؤشرات رئيسية تلخص في مجموعها مدى نجاح " السلطة الحاكمة " في تلبية " الحاجات " الاساسية لـ " شعوبها "
.
في الخانة الأولى نجد معدل الدخل القومي للفرد و هو مؤشر يوضح متوسط نصيب كل فرد من الناتج القومي للدولة , و من خلاله نعرف – بشكل عام - الحالة المادية لأفراد هذا المجتمع , و قد وضعت حد الـ 10 آلاف دولار للفصل بين معدل الدخل المتوسط و المنخفض , و كلما إنخفض معدل دخل الفرد في الدولة ترتفع أمامه معدلات الجهل و البطالة و الجريمة
.
أما الخانة الثانية فتوضح نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في الدولة , و قد وضعت حد الـ 5 بالمئة للفصل بين النسبة الطبيعية و المرتفعة للفقراء في الدولة , أيضا كلما زادت نسبة الفقراء في الدولة تزداد معدلات الجهل و البطالة و الجريمة
.
و في الخانة الثالثة نجد نسبة البطالة في الدولة , و قد وضعت حد الـ 5 بالمئة للفصل بين نسبة البطالة الطبيعية و المرتفعة , و بمعرفة هذه النسبة تكتمل عندنا الصورة , فالـ " شعوب " تطالب بالحرية و العدالة و المساواة و الديموقراطية ليضمن أفرادها الحصول على فرصة كافية للتعليم , و من ثم الحصول على وظيفة مناسبة يرفع من خلالها دخله فلا يضطر لإرتكاب جريمة أو الهجرة للحصول على قُوت يومه و تأمين مستقبل أبناءه
.


.
و عند إعادة النظر في هذا الجدول سنجد أن أغلب " الشعوب " العربية تعيش بمعدلات دخل فرد منخفضة و معدلات بطالة و فقر مرتفعة , بل أن ما نعرفه و لا تحتويه أرقام هذا الجدول – المُجمَّلة – هو أن هذه الشعوب تعاني من القمع و الإضطهاد و الإستعباد من قِبل " سلطاتها الحاكمة " التي تستأثر بالسُلطة و الثروة , لذلك علينا أن لا نستغرب - أو نستنكر - تجربة هذه الـ " شعوب " لتلبية " حاجاتها " من خلال " إستيراد " الثورة "
.


.
أتوقع أن يستمر غليان الشرق الأوسط و يستمر نشاط هذه الشعوب في " إستيراد " الثورات من جاراتها إلى أن تفشل إحدى هذه الثورات في إحداث التغيير , أو قيام السلطات الحاكمة بتحسين الوضع لـ يسود اللون الأخضر مؤشرات جدولنا السابق , كان بِودي أن أتوجه بنصيحة إلى " حكام " الشعوب العربية للتعجيل بالإصلاح و إنقاذ ما يمكن إنقاذه , إلا أن المثل يقول " إذا فات الفوت ما ينفع الصوت " و " فاقد الشيء لا يعطيه ", لذلك أفضل إستمرار الشعوب في إستنشاق غبار الحرية في ميادين التحرير بدلاً من إستجداء قُطيرات الإصلاح القادمة من حنفيات السُلطات الحاكمة