Monday, February 18, 2013

هيئة الإستثمار و فرسان مكافحة الفساد


شاهدت قبل أيام مقابلة الشيخ على جابر العلي على قناة العدالة , و قد لفت نظري وجهة نظر الشيخ – المتخصص بالنفط - في الاستجواب المقدم من النائب سعدون حماد إلى وزير النفط هاني حسين , و كان رأيه أنه ضد سياسات الوزير لكنه أيضا ضد أن يستجوبه نائب بالمستوى الثقافي و التخصصي كـ سعدون حماد حيث لم يمانع الشيخ علي أن تقوم صفاء الهاشم المتخصصة بالاقتصاد بتقديم هذا الاستجواب .

تذكرت بعد هذه المقابلة مقابلة أخرى تحدث فيها الوزير السابق شعيب المويزري عن خسائر الاستثمار و كان من الواضح أن علاقة الرجل بالاستثمار كعلاقتي بالسوشي , أيضا تذكرت محاور استجواب الشمالي الذي قدمه البراك و الطاحوس و هم غير متخصصين بالاستثمار و عبدالرحمن العنجري المتخصص في المجال و الذي تناسى كل ما تعلمه عن أسس الإستثمار و بدأ يشرشح الوزير على خسائر الأوبشنز و دعم النووي الإيراني .

حقيقة أن الكويت فعلاً مبتلشة بـ فوضى التخصصات و إنحدار مستوى المهنية للمتخصصين فيها , فدكتور الشريعة يتكلم بالإقتصاد و المهندس يتكلم بالصحة و الطبيب يعالج مشاكل الزراعة و هلم جر , و عندما نفرح بتصدي شخص من نفس التخصص لمشكلة في مجاله تفضح لنا اطروحاته عدم معرفته في أساسيات هذا المجال مما يشككنا في شهادة الدكتوراه أو الماجستير التي يحملها , وصلتني مقالة بعنوان "هيئة الاستثمار و فرسان مكافحة الفساد" للباحث الاقتصادي محمد رمضان عن الصناديق السيادية و اختلاف طبيعتها و سياساتها من دولة لدولة و من مؤسسة إلى مؤسسة فقررت أن أشارككم بها :

تختلف الصناديق السيادية بأغراض انشائها وسياساتها الاستثمارية وحتى مستوى شفافيتها , فمثلا الصندوق السيادي السعودي والذي يقدر بـ532.8 مليار دولار يستثمر فقط باصول قليلة المخاطر (قليلة العوائد) مثل الديون السيادية . أما بالنسبة للامارات فيقدر مجموع الصناديق السيادية لـ أبوظبي بـ745 مليار دولار , مقسما بين هيئة أبوظبي للاستثمار (آديا) والتي تستحوذ على 70% من فوائض أبوظبي وتستثمر ما يقارب 50% من الأصول في صناديق المؤشرات التي لا تحتاج الى مدير ماهر ويصعب التلاعب من خلالها (Passive) . ومقسما مع شركة الاستثمارات البترولية الدولية والمتخصصة بالاستثمارات البترولية من خلال آبار وغيرها ويقدر هذا الصندوق بـ65 مليار دولار . ومقسما أيضا مع مبادلة والمؤسس لأغراض تطوير وتنويع اقتصاد أبوظبي وتحقيق ربح اجتماعي ومالي (مصدر للطاقة البديلة وصندوق تمويلي بشراكة مع GE Capital) ويقدر حجم الصندوق بـ53 مليار دولار. والصندوق السيادي لـ دبي (مؤسسة دبي للاستثمار) يقدر بـ70 مليار دولار بغالبية استثمارات داخل دبي مثل دبي للألمنيوم واعمار و طيران الامارات .

في الكويت لا يوجد سياسة استثمارية معلنة من قبل الهيئة العامة للاستثمار لكن الأموال مقسمة الى احتياطيات عامة لدعم الميزانية عند الحاجة (حساب جاري للدولة) واحتياطيات الأجيال القادمة (حساب توفير) والتي تقتطع من مجموع ايرادات الدولة كتوفير مستقبلي (10% في السابق و 25% للسنة الحالية) .

أي صندوق سيادي يحتوي على العديد من الاستثمارات , ولا يفترض أن يكون كل استثمار رابح في كل وقت , فبعض الاستثمارات تأخذ منحنى للأسفل كبداية مثل أي شركة جديدة تحقق خسائر في البداية ثم تبدأ بالأرباح تدريجيا وتحقق الربح للمساهمين على مر السنين . وبعض الاستثمارات لايحقق سوى الخسائر (التجارة ربح وخسارة) ولكن يفترض أن يكون أداء جميع استثمارات الصندوق يتماشى مع أداء المؤشرات المستهدفة مع تقارب في مجموع المخاطر الكلي , فلو افترضنا ان الاستثمارات كلها تصب في السوق الكويتي لقارنا أداء الصندوق مع المؤشر الوزني للبورصة أو مؤشر كويت 15 أو أي مؤشر آخر انشئ الصندوق ليتفوق أو يوازي أداؤه و يوازي أو يقل عن مستوى خطورة مجموع مكوناته .

قبل أيام , صرح العضو المنتدب في الهيئة العامة للاستثمار عن استثمار الهيئة في بنك البحرين العربي الدولي الذي تكونت خسائره (599 مليون دولار) خلال الفترة من 1980 الى 1985 وأكد انه قد تم الرد على الأسئلة البرلمانية منذ عام 1993.

فلو تناولنا كل استثمار حقق خسارة وتم تكوين مخصصات له واستمرينا نتحدث عنه ونشير بأصابع الاتهام لجميع المسؤلين طوال عشرات السنين لكان الأجدى والأحرى بمساهمي بنك سانتاندر الاسباني وبنك اتش اس بي سي الانجليزي (HSBC) وغيرهم أن يظلوا يحاسبوا أي ادارة تنفيذية تأتي للبنك حتى سنة 2030 لتعرضهم لخسائر تقدر بالمليارات نتيجة للاستثمار مع المحتال مادوف الذي اعتقل في ديسمبر 2008 .
 
@rammohammad

Sunday, February 03, 2013

كويت الماضي....الجميل !!

من النادر جداً أن أقوم بنشر مقال لم أكتبه في هذه المدونة , لي عادة في الإشارة إلى مقال جيد في مكان آخر من خلال وضع رابط المقال , إلا أن نشره كاملاً لم يحصل طوال الثماني سنوات الماضية إلا مرة أو مرتين .
بعد أزمة المناخ بدأت جريدة الوطن في نشر مقالات على الصفحة الأخيرة بقلم كاتب أطلق على نفسه إسم "كويتي عتيج" , و على ما أذكر كان هذا الكاتب يكتب مقالات عنيفة اتجاه أزمة المناخ و أحداثها مرتكزاً على قاعدة أساسية و هي أن التثمين الذي حصل في الخمسينات هو المناخ الأول , و أن مناخ الثمانينات هو المناخ الثاني , و أتذكر جيداً بأن مقالات كويتي عتيج أثارت الكثير من ردود الأفعال و كان الكتاب يردون عليه بشكل دائم .
قبل سنوات التقيت بالدكتور غانم النجار و تحدثنا بشكل عابر عن الثمانينات فأسر لي بأنه هو "كويتي عتيج" !! و أنه توقف عن هذه السلسلة بعد أن وصلت ردود الأفعال عليها إلى المرحوم الشيخ سعد العبدالله , اليوم أنشر هنا مقالة لا أعرف من الذي كتبها لكنه لقب نفسه بـ"كويتي مخضرم" و هي رد شامل و كامل على مقالات كويتي عتيج .
قرأت هذه المقالة للمرة الأولى في مدونة الزميل فرناس و أنشرها اليوم في مدونتي لأنني أعتبرها من أفضل ما قرأت في الصحافة الكويتية خلال الخمسة و عشرين سنة السابقة .
هي مقالة ترد على نستلوجيا كويت الماضي الجميل ...كويت التلاحم و الفريج ...كويت الغوص و البحر...هي مقالة تفصل بين الواقع و ما تخزنه ذاكرتنا عن هذا الواقع
 
بقلم: كويتي مخضرم
 
جريدة الوطن الكويتية، السبت، 28 ديسمبر 1985

الوقوف على الاطلال وبكاء الماضي والتحسر على العصر الذهبي، عواطف انسانية شائعة قد لا يعادلها في الانتشار والشيوع بين بني الإنسان إلا الخوف من المستقبل والوجل من المجهول وعدم الثقة بالغرباء. وليس من المستغرب في مجتمع كمجتمعنا، يمر في فترة تغيير جذرية سريعة يختلط فيه الحابل بالنابل وتتغير فيه اللهجه واللباس والسحنات وعادات الطعام وبلدان الدراسة والاصطياف بين عشية وضحاها، أن تبرز هذه العواطف والأحاسيس وأن تعبر عن نفسها بمظاهر شتى أدبية وفنية بل وحتى تشريعية. وهكذا فإن من الطبيعي أن تتتابع على اذاننا أصوات الباكين والنائحين وطالبي العوده إلى الماضي المجيد من كل حب وصوب. ولا أجد غضاضة في القول أن الكثير منا لم يكن يقدر ازاء هؤلاء الا التعاطف معهم. إذ لا ريب أننا عندما نفقد الماضي، المادي والمعنوي، نفقد كلنا معه شيئاً من النفس والشخصية، شيئاً من المتعة، شيئاً من الإحساس بالملكية والقيمة، وشيئاً من الشعور بطمأنينة الإنتماء. وبقدر ما اقترب حديث المتكلمين عن الماضي من تأكيد هذه المشاعر بقدر ما يزداد شعورنا بالتعاطف. هكذا مثلاً كانت الحالة مع “كويتي عتيج” فلقد كان حديثه عن الماضي أشبه بحديث أصدقاء الطفولة حين يجتمعون بعد عهد طويل ليجتروا أحاديث الماضي، فلا تسمع بينهم إلا رنين الضحكات الصافية ولا ترى إلا الوجوه الحبيبه التي كبرت وشاخت معك ولا تشعر الا بنعومة ودفء الاحساس بالمألوف الذي تفهمه ويفهمك.

ولكن في كلتا الحالتين، نواح الباكين على الماضي ولقاء أصدقاء الطفولة، يجب ألا يغيب عن بالنا أن الجميع في مثل هذه المواقف يمارس نوعاً صارخاً من الإنتقائية. ففي غمرة الأحاسيس الجياشة، إذ أن الموقف أساساً موقف عاطفي، لا يطفو إلى السطح إلا عاطفة واحدة هي عاطفة الحنين المشبوبة، فتغطي على العقل وتفرض عليه نوعاً من إعادة الترتيب والتنظيم، فتمحو منه كل ما يكدر الخاطر ويعكر البال ويثير التساؤلات، ولا تجلب إلى سطح الذاكرة إلا ما يسر الروح ويشعر النفس بالرضا والطمأنينة. والانتقائية على كل حال ليست بالشىء المستغرب بل هي من صلب الممارسات الإنسانية، فالماضي لا يسجل نفسه على صفحات أذهاننا بل نحن الذين نسجله، وويل للنفس لو لم تكن لها القدرة على النسيان. مثل هذه الانتقائية أيضاً ليست بالشىء المستهجن عندما تستخدم عند مخاطبة الجمهور في العديد من الأعمال الأدبية والفنية التي تتحدث عن الماضي، سواء من خلال معالجة تجربة شخصية أو تجربة عامة. بل إن عيوب الأدب الإنساني من ملحمة جلجامش مروراً بالمعلقات وتغريبة بني هلال ومسرحيات شكسبير وانتهاءً بأفلام أكيرا كوراساوا ما هي الا تأملات في الماضي مغرقة في الانتقائية والذاتية.

ولكن الأمر يختلف عندما يتحول الاستعراض الانتقائي للماضي الى مقدمة مُسلم بصحتها يتبعها دعوة للعودة إلى ذلك الماضي أو إعادته الى الحاضر. هكذا مثلاً حال السلفيين من القوميين أو الدينيين، الذين يذكرون اليرموك ويتناسون مرج راهط، يذكرون نهاوند وينسون صفين، يذكرون بدراً وينسون وقعة الحرة، يتحدثون عن الفيء ويغفلون ذكر الجزية والسبايا وجموع الفلاحين والنبط “واقفين في الشمس مثقلين بالأغلال يصب رجال صاحب بيت المال عليهم الزيت الحار”، يكتبون عن دار الحكمة ويغفلون ذكر محنة خلق القرآن، يطربون لـ “لولا النسيم لذكراكم يؤانسني” ولا يريدون أن يعرفوا كيف أنتهى الحلاج، يتغنون ببطولات سيف الدولة ويمحون من الذاكرة هروب بني حبيب إلى بلاد الروم، يقذفون الغرب بترجمة بعد ترجمة لتهافت التهافت، ولا يقولون كم نسخة من الكتاب احرقت في الساحة العامة بقرطبة.

هكذا كان حال أخينا “كويتي عتيج” الذي طلع علينا اخيراً بالنهاية المنطقية للفكر السلفي. إذ مع اليأس المطلق من كل شيء على المستوى العام والانكماش على الذات والهيام بالغيبيات واستبدال الخيالي بما هو واقعي وحلول التمني مكان الفعل. في مثل هذا المناخ لابد أن ينحسر البعد الإنساني والفكر الإنساني من كل دعوة عامة، وتتحول كل هوية ذاتية الى دعوة سلفية. فمن السلفية الإسلامية إلى السلفية السنية إلى السلفية الشيعية إلى السلفية الحنبلية إلى سلفية جماعة فلان وفلان وفلان، ومن المد القومي إلى السلفية الشوفينية إلى السلفية الفرعونية إلى السلفية القبطية، ومن السلفية الفينيقية إلى السلفية المارونية. وما دام الكل يريد أن يعود إلى الفردوس المفقود، فلم لا أن نطلب ككويتيين العودة إلى كويت ما قبل النفط الذي فقد فجأة كل سلبياته ومشاكله وتحول إلى بيت العز والهناء والإنتاجية؟ وهكذا أثرى مسامعنا “كويتي عتيج” خلال العام المنصرم بمقالاته القصيرة التي تبشر بالسلفية الكويتية.

ولكن ما يلفت النظر في هذا المجال هو أن سلفية ” كويتي عتيج” هي سلفية من نوع طريف يعطي بعداً جديداً للرؤية الانتقائية للماضي التي تميز الفكر السلفي، ويستعمل لغة جديدة قد لا يستعملها غيره. فهو لا يكتفي بالتغني باخلاق الأسرة الواحدة وترابط الفريج ورجولة رجال الغوص وانوثة نساء بيوت ” الفرش” والطين، بل يعزز مقدماته بالوثائق والمصادر التاريخية وهو يستخدم في اطروحاته النماذج المثالية لماكس فيبر ويتحدث عن هيكلية تالكوت بارسونز ويؤمن ايماناً قاطعاً بوظيفية رادكليف براون. ولكن كل الطلاء الأكاديمي ومحاولة ادخال الاتزان والموضوعية لا تخفي حقيقة الصورة التي يحاول “كويتي عتيج” رسمها، صورة مغرقة في الذاتية تم انتقاء ظلالها وألوانها في غمرة احساس طاغ بفقدان الهوية والشخصية. ولو كان “كويتي عتيج” يكتب لنفسه أو كان يكتب أدباً أو شعراً لكان ما يكتب حرياً بأن يثير الإعجاب والتعاطف. ولكنه في الواقع لا يكتب كذلك، بل يدعي أنه يكتب فكراً يريد منا أن نصغي له وأن نأخذ ما يقول مأخذ الجد ونحاوره فيه. وهو يريد منا كذلك، مثل بقية السلفيين، أن نعيد تقويم سياستنا واتجاهاتنا وتصرفاتنا وفقاً لما يدعي أنه التصوير الحقيقي لكويت فقدناها أو نوشك على فقدها. ولقد كنت من الأشخاص الذين أخذوا ما يقول مأخذ الجد ولقد آن الأوان لأن أساهم في تحويل مونولوجه الحالم الى حوار فيه بعض الجدية. وسوف أختار لذلك أن أعود لذاكرتي الشخصية لكي أقوم بادخال بعض التفاصيل والظلال على الصورة التي يحاول أن يرسمها. فالواقع أن كل حديث “كويتي عتيج” وأمثاله لا يمكن أن يطمس من قلبي شعوراً حقيقياً بالألم والمعاناة التي كانت من نصيبي في تلك الفترة كما كانت من نصيب الغالبية العظمى من النساء والرجال والأطفال الذين عاشو ذلك العصر. المعاناة التي وإن كانت تبدو في بعض الأحيان ألماً شخصياً إلا أنها في حقيقة الأمر لا تعدو كونها إفرازاً طبيعياً عاماً لظروف تلك الفترة واحوالها المتمثلة بالفقر والجهل والقهر الاجتماعي الذي كان يسود علاقات الناس في ذلك المجتمع على كل المستويات. فكل الطنين الأكاديمي لا يمكن أن يخفي العوز وسوء التغذية وانتشار الأمراض واستغلال رب العمل للعامل والرجل للمرأة والكبير للصغير والمالك لمن لا يملك. ولا يمكن لأي باحث جدي حتى “كويتي عتيج” أن ينكر ذلك. يكفيه الاستماع لأحد النواخذة وهو يتحدث عن كيفية استئجار البحارة وكيف يمنعون “النجري واللي يتكلم واجد واللي يخرّب البحرية” من العمل، وعن طريقة سداد الديون بعد وفاة البحار، أو أن يحاول دراسة العلاقة بين فرص التعليم المتاحة للفرد والمستوى الاقتصادي للعائلة أو غير ذلك من المواضيع.

ولكن الموقف ليس موقف نقاش أكاديمي، اذ أن كتابات “كويتي عتيج” هي أساساً كتابات ذاتية انطباعية انتقائية والرد عليها يجب أن يكون من نفس النوع. واعتقد أن خبرتي وخلفيتي تؤهلاني لممارسة مثل تلك الكتابة. فلقد عشت عصرين، ولدت في أول الأربعينات ونشأت في الخمسينات، ولا تزال صور كويت ما قبل النفط واضحة في ذهني. أكاد أسمع الآن أصوات تلك الكويت، “شط شط”، “زري عتيج صفر عتيج”، ثغاء الماعز وهي تـئن تحت عصا الشاوي، صخب الأطفال في تلك الأزقة الضيقة المتربة وصياح الكبار “عند العاير”، ولا تزال أنفي تمتلىء بروائح ذلك العهد، “الصل” على السِيف، “الجت” منثور في “الحوش”، “القداوة” في قهاوي السوق وقدر “راعية الباجلة”، ولا يزال طعم الجراد المسلوق طرياً في فمي. وان كانت ذكريات “كويتي عتيج” أو “السوالف” التي سمعها، فهو لا يفرق بين الأثنين، تفتح له طاقة ليلة القدر، فإن تلك الذكريات تمتزج في ذهني بالألم والمرارة، ألم مراقبتي لأمي وهي تموت، يقطع أحشاءها التيفوئيد وهي مستلقية تحت العريش يأكلها الذباب ويعتصرها هواء الصيف المشبع بالرطوبة، لا يخفف عنها ألمها وعود الوالد بأن “باكر يدور شمال” ولا تأكيد صويحباتها بأنه “أجر وعافية”، تذوي روحها مع كل قطرة دم تتبرزها. ومرارة الإحساس بالقلق الذي يجتاح الأطفال الذين يشعرون شعوراً غامضاً بأن طعام الغد ليس بالشىء المضمون، وأن ثياب العيد الجديدة أمر مشكوك فيه. كنا عندما لا يعمل الوالد، وما أكثر أيام بطالة الوالد، فلقد كان يرحمه الله واحداً من حرفيي “كويتي عتيج” الأبطال الذين راودتهم أحلام الثروة يوماً فمارس التهريب ليفقد كل ما يملك ويعود أجيراً عند الغير. أقول عندما كان الوالد لا يعمل، كنا لا نعلم أن كنا سوف نتعشى تلك الليلة ام لا، فكل شيء كان يتوقف على كون “عميل ابوي” في السوق سوف يرضي أن يبيعه بالدين ما قد يكون قد تبقي لديه آخر النهار. وعندما أصر الإخوة الكبار في أحد الأعياد أن يلبسوا ثياباً جديدة لم يجد الوالد بداً من بيع “الصخلة” التي يشرب من حليبها الأخوة الصغار لكي يستطيع شراء تلك الثياب.

ولم يكن حالنا بالأمر الغريب فلقد كان هكذا حال الغالبية العظمى من الناس تلك الأيام، في هذا البلد الذي شحت فيه الموارد وسيطر عليه الركود والتخلف والاستغلال. ولم يتغير هذا الوضع بالنسبة لتلك الأغلبية إلا مع ظهور النفط وبداية الانفاق الحكومي سواء عن طريق التثمين أو التوظيف واتاحة فرص العمل والعلاج والدراسة لكل المواطنين. تلك الممارسات التي حسنت ظروف المعيشة بالنسبة لقطاع واسع من المواطنين وغيرهم ممن وفد إلى هذا البلد. وهنا يجب أن أسارع للقول أن تلك الممارسات لم تكن كلها خيراً وبركة، بل كان لها بعض السلبيات والآثار السيئة التي يجب أن يشار إليها وأن تتم مناقشتها بجد وموضوعية. وليكن ذلك في اطار صورة متكاملة من تعداد السلبيات والإيجابيات. أما عندما يأتينا أحدهم لينوح علينا انشودة السلف الطاهر الذي يجب أن نعود إلى مثله والمجتمع المثالي الذي يجب أن نعود اليه فلا نملك الا أن نقول له:

لتذهب الى الجحيم يا أخي انت وكل النوستالجيا التي زرعتها في نفسك سنوات الغربة وكتابات الان فيليرز وديكسون وكوكس وبكرات المايكروفيلم في دار الوثائق العامة التي لم تفلح الا في خلق سلفي اخر حليق اللحية طويل الدشداشة. لتذهب إلى الجحيم يا أخي أنت وكل أحلامك الاستمنائية عن كويت ما قبل التثمين، كويت الانتاجية والكفاءة الذاتية، كويت الحرفيين، كويت الكنادرة الذين يبدو أنك نسيت أو تناسيت أن بنت الأجاويد كانت ترفض ان تلبس العباءة امامهم. كويت أهل الصخر الذين لو رأيت أقدامهم المتقرحة أو شممت إزار واحد منهم لعافت نفسك الطعام طويلاً. كويت الحدادين الذين ما أن يبلغ أستاذهم الاربعين حتى يعود الى الكور أعمى. كويت الغواصين الذين يعدون المواسم حتى اصابتهم بالصمم. كويت الخياطين والحاكة الذين أكلت عيونهم الإجهاد والتراخوما. كويت البحارة الذين أكلت ديدان وعلق مستنقعات الجندل في شرق أفريقيا اطرافهم، وأكلت مستلزمات تهريب الذهب إلى الهند ما تبقى من كرامتهم. أم أن هذا كله تفاصيل تافهة لا يجوز أن نسمح لها بتشويه تابلوه المجتمع الانتاجي المترابط .

كويتي مخضرم

 

Saturday, January 05, 2013

إلى العصفور مع التحية



لست من هواة الأفلام الهندية , فأسوأ ما فيها أن البطل ما يِنطق !! و هذا بالطبع يخالف القاعدة التي بنيت عليها شخصيتي التدوينية و هي "كله مطقوق", لذلك أعطي للطرف الآخر الحق في ضربي كما أعطي لنفسي الحق في ضربه , و أحيانا أستمتع بـ استمتاعه في ضربي أكثر من استمتاعه هو بذلك !! و هذا ما يجعلني أفضل في كثير من الأحيان الانسحاب بهدوء من النقاشات الغير مثمرة حتى و إن كانت النتيجة 6-1 للطرف الآخر , فأنا زاهد بالانتصارات الوهمية .

يعلم متابعيني أني أنشر في كثير من الأحيان أخبار و صور من الصحف تهدف إلى كشف تناقضات سياسينا  و خصوصا المنتمين إلى المعارضة و التيار الديني , و تثير هذه العادة تساؤل الكثيرين من عدة نواحي سأحاول الإجابة عنها كل على حدة .

التساؤل الأول هو لماذا التركيز على المعارضة و التيار الديني دون بقية التيارات ؟ أو بالأصح لماذا لا نراك تنتقد نواب الشيعة و الحكومة ؟

الإجابة ببساطة لأن هؤلاء لم يتشدقوا على أحد و يزايدوا عليه بالوطنية و الحرية و الكرامة و المطالبات بالدولة المدنية التي تتناقض مع أفكارهم الحقيقية , يعني دميثير و عسكر و عدنان المطوع و القلاف و زلزلة لم يدعوا أو يزايدوا علينا بالوطنية و الحرية و الكرامة و الدولة المدنية حتى أتصيد عليهم تناقضاتهم , هم فاضحين نفسهم بنفسهم و مصلعين أمام الجميع بأنهم يوالون الحكومة أو الشيخ فلان و علنتان , فأين المتعة في كشف موالاة حسين القلاف و عسكر العنزي للشيخ ناصر المحمد ؟ لكنكم تتفقون معي بمتعة كشف تبعية من يدعي الكرامة و الحرية للشيخ أحمد الفهد أو مجموعة سالم العلي .

التساؤل الثاني هو لماذا لا تنتقد الحكومة و تركز فقط على انتقاد المعارضة , هل الحكومة بلا أخطاء و هل تقبل بأفعالها ؟

الإجابة هي لا , الحكومة أسوأ من السيء , و إدارة الشيوخ للدولة أسوأ من السيء , هذا كلام خالصين منه من أيام مبارك الصباح و لم يعد الحديث فيه "يغريني" , أي أن هالـ إعظمة عجعجت فيها لين قلت بس و تركتها اليوم لمنتخب الهواة و القادمين الجدد إلى الساحة السياسية يطقطقون فيها و عليهم بألف عافية .

لكن الوضع يختلف مع المعارضة بجميع أطيافها و خلطاتها الفاسدة , هم يطالبون بتغيير الحكومة من أجل "الأفضل", إذا من الطبيعي لكل انسان أن يقف مع من يطالب بالأفضل , لكن خبرتي السياسية تقول بأن "أفضل" المعارضة سيكون أتعس من خيبة الحكومة و الشيوخ , و ذلك على جميع المستويات السياسية و التنموية و الحقوقية , و للأسف تعاسة الحكومة سهلت على المعارضة جذب بعض المحبطين اليائسين الجائعين في الإنضمام لها و قاعدين يلعبون اليوم لعبة الأرقام و لذلك أجد أن من واجبي كشف عورات أفكارهم للناس حتى نتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه .

ثانياً , أنا أعتبر نفسي شخص صاحب – مشروع - رؤية مستقبلية إصلاحية للكويت – لم أكشف عنها بعد – و أنتظر بفارغ الصبر الوقت المناسب لطرح رؤيتي التي أعتقد بأنها أكثر إنتاجية و تطوراً من الرؤية الـ سعدو طبطبائية المخلوطة بالبهارات الهايفية و الموالح الحدسية , و هذا ما يجعلني بطبيعة الحال أحارب هؤلاء كي أفسح المجال لطرح رؤية جديدة و اسلوب جديد في المعارضة و أنا لست مستعجلاً على ذلك .

التساؤل الثالث هو التعليق الساذج بأن ليس من حقك انتقاد المعارضة فيكفيها و يكفي شبابها شرفاً أنهم قاموا بـ"فعل شيء" مو مثلك قاعد بالبيت حاط ريل على ريل و تنتقد !!

الإجابة على هذا التساؤل هي أنني جربت اسلوب "فعل" أي شيء بدلاً من الجلوس في البيت و للأسف كانت النتائج كارثية كما هي نتائج ممارسات المعارضة و شبابها اليوم , و لم يعد يليق بي و بالنفق المظلم الذي أرى الكويت تدخل فيه أن أكذب على نفسي و عليكم و أقوم بأي "فعل" دون أي إحساس بالمسؤولية , سهل جداً أن أكون أحد قادة المعارضة و أدبج المقالات التي تفضح سرقات الشيوخ و فسادهم , سهل جداً أن أدعو للمسيرات و الاعتصامات و أحقن عقول الشباب بشعارات "الأمة مصدر السلطات جميعا" و "الحقوق تبي حلوق" , سهل جداً أن أحرق بلدي بحجة حسرتي عليه و لكن من قال بأني أريد الـ"سهل" ؟

من قال بأني أريد الظهور لمجرد الظهور و وضع بصمة لمجرد الإحساس "بالوجود"!! أنا من أتباع مدرسة فلتقل خيراً أو تصمت و لذلك أتقبل حبس أفكاري لسنوات إلى أن تنضج و تصبح ذات فائدة بدلاً من طرحها نص ناضية لتذهب أدراج الرياح حالها حال الكثير من الأفكار , و تأكدوا جيداً بأنني لن أُسوق أفكاري بالصراخ و المظاهرات و المسيرات و تهيئة المسرح لتلقي الضربات و بناء البطولات الوهمية , لن أفعل ذلك , فالفكرة الجيدة تفرض نفسها دون إجبار و لا إلحاح , و هذا ما يعيب الأفكار التي تطرحها المعارضة بشقيها الشبابي و السعدو طبطبائي .

التساؤل الأخير و المطروح من الأخ العزيز سعود العصفور و هو هل يتساوى الإستدعاء للتحقيق بالمشاركة في نشاط سياسي ؟

الإجابة يا سعود هي الآتي , سأتهرب متعمداً من التعمق في مناقشة البنية الفكرية و المشروع المستقبلي للمعارضة و التي يتم التسويق لها من خلال الإقتتات على أخطاء الحكومة و الشيوخ لإظهار فشلهم في إدارة الدولة و بالتالي منطقية مطالبتهم بالتخلي عن الإدارة , و بطبيعة الحال تطرح المعارضة نفسها أو جماهيرها أو "الشعب" كجهة مسؤولة يحق لها إختيار الإدارة الأفضل للبلد , و لأن الشيوخ معجعجين بالحكم و الإدارة فلم يعد أمام أنصار المشروع الـ"معارضي" سوى الخروج في الساحات و استخدام المنابر الميدانية و الألكترونية لإيصال سخطهم على حقران السلطة لهم .

أكرر بأني سأتعمد عدم التعمق و التفلسف في هذه البنية الفكرية و منطقيتها و سأناقش فقط الفكرة التي طرحتها أنا في تغريدتي و الإجابة على سؤالك الذي أيده و إستحسنه بعض الأصدقاء .

تغريدتي كانت تعليقاً على تخصيص "الإناث" في إعتراض الصواغ و الحربش على الإستدعاء للتحقيق بصفتهن "إناث" لا مواطنات , و هذا – بالنسبة لي على الأقل – يتناقض مع دعوة هؤلاء للـ"إناث" للمشاركة في الكفاح الميداني ضد السلطة سواء في حضور ساحة الإرادة أو المواجهة مع قوات الأمن أو المبيت في مجلس الأمة أو ساحة البنوك , ففي حال إيمانك بأن المواطنة تتساوى مع المواطن في الحقوق و الواجبات و عليها أن تمارس دورها كاملاً في التعبير عن رأيها فالأجدى بك أن تؤمن أيضاً بأن على هذه المواطنة تحمل تبعات ما تقوم به من أفعال و تطرحه من آراء بنفس الدرجة التي يتحملها المواطن الرجل .

أنا ليبرالي و اتعامل مع الموضوع من مبدأ الحرية الشخصية فلكل انسان الحق في فعل ما يشاء في إطار القانون "الجيد" , لذلك لا أعترض على حضور النساء للمسيرات و غيرها من الأنشطة , لكني أدين الصواغ و الحربش من مبدأ "من فمك أدينك .

هذا المثال ينطبق أيضا على بيع الخمر و شربه , كوني أؤمن بالحريات فأنا لا أعطي لنفسي الحق في منع الآخرين من شرب الخمر أو بيعه , لكن عندما يقوم السلفي خالد السلطان ببيع الخمر في محلاته و هو من يطالب بتطبيق الشريعة و تغيير المادة الثانية و المادة 79 من الدستور فمن حقي أن أدينه أو على الأقل كشف تناقضاته .

و للإجابة على سؤالك بـ هل تتساوى الدعوى للمشاركة في مسيرة مع الإستدعاء للتحقيق فنقول لا , لا يتساوى الأمران على المفعول به و هو "بنات الكويت" في هذه الحالة , لكن هل الإستدعاء إلى التحقيق من إهانة لـ"بنات الكويت" ؟ الإجابة أيضاً لا , خصوصاً و أن بعض رموز "بنات الكويت" المعارضات دخلن في لعبة رفع القضايا على من يعتقدون بأنه أهانهم و هذا بدوره أيضاً سيتم استدعائه للتحقيق , لذلك لا أجد في الأمر مشكلة , النيابة إدارة حكومية تقوم بعملها و عملها هو استدعاء المتهمين و الشهود للتحقيق في حال الشكوى ضدهم , و ربما في الغد يرفع علي بعض من ذكرت أسماءهم في هذا المقال شكوى و سأخضع أنا أيضا للتحقيق , و لا بأس في ذلك بغض النظر عن إعتقادي بكيدية التهم .

أعلم جيدا بأن السؤال كان أبسط من الإجابة الطويلة لكن زلقة بطيحة قلت دام إني بجاوب خل أجاوب على أكثر التساؤلات المطروحة .

شكرا مرة أخرى للأخ سعود و الأخ أحمد الظفيري على طرح السؤال و التعليق و أتمنى أن يسمح لي الوقت بالدخول في نقاشات أكثر في الأيام القادمة .

Tuesday, December 25, 2012

الميموني


لست من هواة الكتابة في أمور خارجة عن نطاق – ما أعتبره – إختصاصي , و لذلك لم أعلق على حكم محكمة الإستئناف الصادر في قضية المرحوم محمد الميموني , فالقضية بالنسبة لي شأن قانوني بحت بالرغم من أبعادها السياسية , و ربما يكون لي رأي سياسي فيها إلا أنني أتحفظ دائماً على تسييس القضايا القانونية و الذي أصبح شائعاً في الفترة الأخيرة بسبب تغوُّل السياسيين و دس أنوفهم في كل مجالات الحياة في الكويت .

و لا بد الإشارة هنا إلى أن ما سأكتبه هو مجرد "رأي" من شخص غير متخصص في القانون و هذا ما يجعلني أكثر تقبلاً للنقد و التفنيد الذي قد يواجه به البعض هذه المقالة , و سأكون شاكراً بالتأكيد لمن يصحح وجهات نظري فيها .

من بين كل القضايا المتعلقة بممارسة السلطة للقمع و التعذيب و مصادرة الحريات و التعسف في تطبيق القانون و التي بدأنا نسمع عنها أخيراً يمكنني القول بأن قضية محمد الميموني هي القضية الوحيدة التي تستحق وقوف السلطة و الشعب عندها و مراجعة النفس في الكيفية التي بدأت و تطورت و إنتهت بها , فالبداية كانت بالإجرام الذي قام به رجال الأمن ثم الفزعة من قيادات وزارتهم في البيان "التدليسي" و من بعدها خداع الوزير حول حقيقة القضية التي جعلتها مادة خصبة للتكسب السياسي و الشحن الجماهيري .

و في حال ابتعادنا عن الشق السياسي للقضية و تركيزنا على الشق القانوني لها فعلينا الإنتباه إلى أن القاضي موظف عام لا يتمتع بسلطة مطلقة , فهو في نهاية اليوم حاله حال أي موظف له وظيفة محددة , و صلاحيات مقيدة يمارس من خلالها مهامه الوظيفية , و وظيفته هنا هي تطبيق "القانون" لا "خلقه" , فـ خلق القوانين مسؤولية تقع على عاتق الحكومة و مجلس الأمة , و هذا ما يجبر القاضي على الإلتزام بالقانون المقرر حتى و إن كان له رأي مختلف .

على سبيل المثال , لو كان القانون ينص على الحكم بـ خمس سنوات سجن مقابل جريمة السرقة , هنا سيضطر القاضي بالإلتزام بهذا الحكم سواء كانت قيمة السرقة خمسين ألف دينار أو خمسين مليوناً , بل أنه في بعض الحالات يضطر إلى معاقبة سارق الخمسين ألفاً بحكم أقسى من الحكم الذي سيحكمه على سارق الخمسين مليوناً , ففي حال تمت سرقة الخمسين ألفاً في أربعة وقائع منفصلة سيحصل المتهم على خمسة سنوات سجن لكل منها, فيكون بذلك حصل على عشرين سنة سجناً , بينما سيحصل سارق الخمسين مليون على حكم واحد بخمسة سنوات سجن في حال قيامه بسرقة كل المبلغ في واقعة واحدة .

و بالعودة إلى قضية الميموني أعتقد أن المسألة تتعلق بشكل مباشر في "التكييف القانوني" للتهمة الموجهة إلى المتهمين و قدرة دفاعهم على نقضها و إعادة "تكييفها قانونياً" , فعقوبة الإعدام في القانون الكويتي لا تُطبق إلا على جرائم "القتل مع سبق الإصرار و الترصد" , و الواضح أن دفاع المتهمين نجح في تكييف التهمة إلى "الضرب المفضي إلى الموت" لا "القتل مع سبق الإصرار و الترصد" , و في حال إقتناع القاضي بأن كل ما فعله المتهمين من ممارسات وحشية لا تصل أو تتوافر فيها شروط تهمة "القتل مع سبق الإصرار و الترصد" فسيكون من المنطقي أن يحكم عليهم بالسجن المؤبد و ليس الإعدام .
 

و يمكننا التأكد من ذلك من خلال قائمة الجرائم التي تمت إدانة المتهمين بها و هي :

1-     التعذيب الذي أدى إلى الوفاة

2-     الحجز في غير الأحوال التي يقررها القانون

3-     القبض على أشخاص و احتجازهم في غير ما يقرره القانون

4-     التزوير

5-     إستعمال القسوة

6-     الإكراه على توقيع مستند

7-     إخفاء أدلة الجريمة
 
و يتضح هنا غياب جريمة "القتل مع سبق الإصرار و الترصد" عن القائمة و هي الجريمة التي كان يمكن من خلالها الحكم بالإعدام عليهم , أكرر بأن هذا الرأي غير متخصص و هو لا يقلل من بشاعة و وحشية الجريمة و لا يقلل من آثارها السياسية و القانونية و الإجتماعية , و في النهاية يظل حكم الإستئناف غير نهائي في ظل لجوء الطرفين إلى محكمة التمييز , و لا يبقى أمامنا هنا سوى الترحم على روح محمد الميموني و الأمل - أو العمل - على أن تكون قضيته مفتاح لباب إصلاح التشريعات و تطوير القوانين و هي الوظيفة الأهم للحكومة و مجلس الأمة .
 
الروابط التالية للقراءة حول الإختلاف بين "القتل مع سبق الإصرار و الترصد" و "الضرب المفضي إلى الموت":

Monday, December 03, 2012

مجلس 2012 الثاني


لي عادة موسمية في تحليل نتائج إنتخابات مجلس الأمة في اليوم التالي لإعلانها , لكن إنتخابات الأمس تختلف بشكل جذري عن غيرها بسبب حملة المقاطعة التي إلتزمت بها نسبة كبيرة من الشعب مما يجعل تحليل نتائج هذا المجلس لا تعكس الصورة بشكل كامل , و هذا ما سيجعل مقالنا اليوم أقرب إلى الجانب السياسي منه إلى الفني و هنا أحتاج إلى توضيح نقطة مهمة هي أنني عندما أقوم بالتحليل السياسي أتجرد من معايير التحليل الأخرى , أي أنني هنا أعالج الجوانب السياسية فقط بغض النظر عن الجانب القانوني و الإنساني و الإجتماعي و العاطفي .

قبل الدخول في شرح النتائج علينا الإتفاق على الفرضيات التالية , نسبة التصويت في الإنتخابات الأولى لـ2012 قاربت الـ60% , و سنعتبر هذه النسبة محققة في جميع الدوائر كوننا لا نملك تفاصيل نِسب المشاركة فيها , أما الفرضية الثانية فهي صحة ما تم الإعلان عنه عن نسبة المشاركة في إنتخابات الأمس و هي قريبة من الـ40% , و بذلك تكون نسبة المقاطعة "الملموسة" 20% يختلف تأثيرها من دائرة إلى أخرى .

الجدول التالي يوضح نتائج إنتخابات الأمس :
 
 

الدائرة الأولى :

الوضع الطبيعي لهذه الدائرة هو تقاسمها بين الشيعة و العوازم مع وجود فرصة لنجاح نائب أو إثنين من الحضر السنة , لكن و بسبب الإلتزام الواضح لقبيلة العوازم بالمقاطعة فتح المجال لإكتساح هذه الدائرة بفوز 8 نواب شيعة تغلب عليهم سمة الإنتماء للتكتلات الدينية بإستثناء معصومة المبارك و عبدالحميد دشتي , و الجديد في هذه الدائرة هو فوز المرشح خالد الشطي المعروف بتطرفه الواضح مما قد يتسبب بتهييج الشارع السني ضد الشيعة و تأكيد مخاوفهم منهم , لذلك سيكون من واجب النواب الشيعة الأكثر خبرة كـ عدنان عبدالصمد و مجموعته إحتواء الشطي و عدم فتح المجال لتكرار ظاهرة عبيد الوسمي و مسلم البراك التي رأيناها في المجلس السابق بين نواب الطائفة .

و بالنسبة لمرشحي السنة من الحضر فلم يكن فوز كامل العوضي و نواف الفزيع غريباً في ظل غياب ما يسمى بالتيار الوطني و الكنادرة إلى حد ما في هذه الدائرة التي كانت نسبة المشاركة فيها هي الأعلى بـ57% .

 

الدائرة الثانية :

نسبة المشاركة في هذه الدائرة 55% تقريباً و هي ثاني أعلى نسبة للمشاركة , و كان فوز علي الراشد بالمركز الأول متوقعاً فيها , أما الجديد هنا فهو فوز ثلاثة من الشيعة و الغياب الواضح لمقاعد التجار بإستثناء عادل الخرافي المدعوم من جاسم الخرافي , و بهذا يخسر مرزوق الغانم و محمد الصقر مقاعدهم – أو من يمثلهم – في هذا المجلس .

 

الدائرة الثالثة :

نسبة المشاركة في هذه الدائرة قاربت الـ52% و لم تشهد الكثير من المفاجآت في ظل غياب رموز المعارضة عنها , فغياب فيصل المسلم و السعدون و الطبطبائي و الإخوان و صالح الملا و أسيل العوضي أدى إلى النتائج الواقعية لهذه الدائرة , و الملفت هنا هو فوز علي العمير بالمركز الأول و بأصوات قاربت الـ6000 مما يشير إلى عدم إلتزام ناخبي السلف بالمقاطعة , أيضاً يعتبر حصول الجويهل على 130 صوت أحد مفاجآت هذه الدائرة بعد أن حل تاسعاً في الإنتخابات السابقة , و ربما تكون هذه إحدى إيجابيات نظام الصوت الواحد و هو الغياب التام لظاهرة النائب المقلوص و النائب المحرقة .

 

الدائرة الرابعة :

نجحت المعارضة في هذه الدائرة في التأثير و بشكل واضح على نتائج الإنتخابات حيث لم تتجاوز المشاركة نسبة الـ29% و هي منخفضة جداً , و الواضح هنا أن المعارضة لم تؤثر بقبيلة الرشايدة بنفس النسبة التي أثرت بها على قبيلة مطير حيث أسفرت النتائج عن فوز 5 من الرشايدة كان من بينهم المرشحة ذكرى الرشيدي و هذا يعتبر مكسب كبير للقبيلة و للمجلس القادم , أما قبيلة مطير فقد غابت تماماً عن هذه الإنتخابات ترشيحاً و إنتخاباً مما أفسح المجال لمرشحي القبائل الأخرى بالتقدم كالمرشح خالد الشليمي و الحسيني و الحريجي .

أما مفاجأة هذه الدائرة فجاءت بفوز المرشح الشيعي مبارك النجادة , و من الصعب هنا توقع مدى قدرة هذه التشكيلة على الإستمرار في حال عودة قبيلة مطير للمشاركة .

 

الدائرة الخامسة :

تستحق هذه الدائرة لقب "عرين المعارضة" فنسبة المشاركة بها هي الأقل على الإطلاق (20%) في ظل مقاطعة واسعة من قبيلة العوازم و العجمان المسيطرة تاريخياً على هذه الدائرة , و بطبيعة الحال أدى هذا الغياب إلى نجاح مرشحين آخرين لم تكن لهم أي فرصة بالنجاح سابقاً كالشيعة شمس و التميمي و الشمري , و الفيلكاوي طاهر بالإضافة إلى الكندري و البوص و الدوسري .

نتائج هذه الدائرة هي الأكثر تغييراً حيث لم يعد أياً من نوابها لمجلس 2012 الأول .

 

بشكل عام و بالمقارنة مع المجلس السابق نجد أن هذا المجلس يتميز بالتالي :
 
 

1- وجود 30 نائب جديد تغلب عليهم صفة الإستقلالية مما يجعل أداءهم غير متوقعاً مع سهولة إستمالتهم لهذا الطرف أو ذاك .

2- إرتفاع نسبة الحضر فيها عن السابق بسبب الغياب الواضح للقبائل الكبرى (العوازم و مطير و العجمان) بإستثناء خالد العدوة .

3- إنخفاض نسبة النواب الإسلاميين إلى أقل من النصف و هي النسبة الأقل على الإطلاق بالمقارنة مع المجالس الأخيرة , ففي العادة يوافق نواب القبائل على كل قانون ذي صبغة "إسلامية" يطرحه نواب السلف و الإخوان , و غيابهم عن هذا المجلس سيجعلنا بعيدين عن معارك تغيير المادة الثانية و أسلمة القوانين مع وجود إحتمال إنتقال المعركة إلى محور "الشيعة و السنة" بسبب الجرأة المتوقعة لنواب الشيعة في تمرير بعض القوانين التي قد تستفز الشريحة السنية .

4- الغياب التام للمعارض الدائم و هو النائب الذي لا يستطيع العمل خارج قالب المعارضة و تقديم الإستجوابات كالنائب أحمد السعدون و مسلم البراك و فيصل المسلم و خالد الطاحوس و غيرهم , علماً بأن عدد هؤلاء النواب في المجلس السابق كان 25 نائباً , و غيابهم عن هذا المجلس يعني غياب الإستجوابات "الحقيقية" عنه , نعم سيكون هناك إستجوابات لكنها لن تكون بنفس خطورة إستجوابات المعارض الدائم .

هنا علينا الإنتباه إلى أن غياب المعارضة الدائمة لا يعني غياب المعارضة بشكل مطلق , ففي مقابل المعارض الدائم هناك معارض متقطع و هو النائب المحسوب على قطب في الأسرة و يستخدم نفسه كسلاح لضرب قطب آخر , أو النائب المتخصص في معارضة وزير معين , أيضاً علينا الإنتباه إلى أن غياب المعارضة الدائمة لم يأتي بسبب تغير المزاج الشعبي المعارض لكنه جاء بسبب مقاطعة هذه الفئة للإنتخابات , أي أن المعارضة الشعبية لم تهدأ إلا أنها تعاملت مع السلطة بسلاح جديد و هو المعارضة التي تهدف إلى الطعن في شرعية المجلس و السلطة التي جاءت به .

 

ماذا بعد ؟

 

للإجابة على هذا السؤال علينا الإتفاق على أن محور المعركة الحالية هو الصراع بين سمو الأمير و المعارضة , و الواضح هنا أن هذه المعارضة تعتمد أساساً على القاعدة القبلية و الإسلامية السنية , أيضاً تتمتع هذه المعارضة بدعم بعض الشيوخ الطامحين للحكم كالشيخ أحمد الفهد بشكل رئيسي مع فتح الباب لتلقي الدعم من معسكر الشيخ سالم العلي و معسكر صباح السالم في المسيلة , أما المعسكر الآخر فيتمتع بدعم الشيخ ناصر المحمد مع إمكانية التحالف مع رئيس الوزراء الحالي جابر المبارك , و هنا علينا الإنتباه إلى أن سمو الأمير يتحرك مؤخراً كمحور مستقل و هو يتحرك بقوة تاركاً أمر مواجته أو الإنضمام إليه للمعسكرات الأخرى .

أعتقد شخصياً بأن النتيجة الأولية لحملة مقاطعة الإنتخابات جاءت بالتعادل بين الفريقين , فنسبة 40% ليست سيئة في ظل غياب دائم لـ40% سابقة مما يعني أن قوة المعارضة تتراوح بين الـ15 – 20% , نعم هي نسبة كبيرة لكن إقتصارها على القبائل فقط و القبائل الكبرى فقط يضعف من مصداقيتها , فهذه القبائل متضررة من النظام الجديد مما يجعل إعتراضها قائم على المصلحة بدلاً من المبدأ , و هذا الإتهام من السهل توجيهه أيضاً لتأييد الشيعة للنظام الجديد فتأييدهم له قد يأتي من أجل المصلحة و ليس المبدأ , و مما يعيب خطاب المعارضة إعتماده الكبير على شيوخ – أو أمراء – القبائل في الترويج للمقاطعة و التعامل مع الموضوع وفقاً للمعايير و المفردات القبلية البسيطة , فالكل يعلم أن الصراع سياسي بحت إلا أن خطاب رموز المعارضة يتعمد إستفزاز النخوة القبلية من خلال حشر مفردات كـ الأحرار و الكرامة و المرجلة في الصراع في محاولة سمجة لتصوير المتقاعس عنها كالفاقد لهذه الصفات .

و المتوقع هنا أن يلجأ رموز المعارضة إلى تعميق هذه المفردات من خلال اللعب على وتر الشرف و العِرض و التركيز على محور المد الصفوي و نجاح متطرفي الشيعة في تجييش القبيلة ضد السلطة و المجلس الجديد , و ذلك قد ينجح في رسوخ المعارضة القبلية إلا أن هذه الأساليب الرخيصة ستفقد جدوتها في الحفاظ على المكون الحضري في المعارضة , فعندما يتفاخر المطيري بمعارضته على العازمي يصبح لسان الحضري "و أنا وين رحت !!".

مع كل ذلك أعتقد بأن موقع سمو الأمير بعد الإنتخابات أقوى بكثير من موقعه قبلها , فإصرار سمو الأمير على إقامة الإنتخابات بالنظام الجديد و نجاحها في إيصال مرشحي القبائل الأخرى و نجاحها أيضاً في إيصال مرشحي الجهراء و الشيعة و حضر الدائرة الخامسة ستجعل كل هؤلاء يتمسكون بهذا المجلس و النظام الإنتخابي الذي جاء به , و في حال نجاح الحكومة في توزير وزراء ينتمون إلى (الفروع المنافسة) في قبائل المعارضة (مطير , عوازم , عجمان) فسيكون من السهل على السلطة سحب البساط تدريجياً من رموز المعارضة الحالية لمصلحة رموز جديدة في هذه القبائل .

أيضاً سيتسبب نجاح هذا المجلس و الحكومة في إقرار 3 أو 4 قوانين شعبية في تمسك مؤيديه به بشكل أكبر و في إفراغ الخطاب المعارض الذي يعتمد على ضعف الإنتاج الحكومي من محتواه , و عندها قد تساهم السلطة في دعم التيارات الشبابية داخل التيارات السياسية للإنقلاب على القيادات التقليدية , خصوصا في التيار الوطني الذي فشلت قياداته في تحقيق أي من أهدافها و خصوصاً الدفاع عن الحريات بينما ضحى سمو الأمير بـ شعبيته و إستقرار حكمه من أجل الدفاع عنها برده لقوانين و تعديلات المجلس السابق .

أعتقد شخصياً بأن سمو الأمير خاض معركة كبيرة في الأسابيع الماضية للحفاظ على البلد من "الضياع" حسب تعبيره , و لكنه لم يصل حتى الآن إلى منتصف الطريق فالتحديات القادمة أكبر , فالتحدي الأول هو القدرة على الإنجاز و إقناع الناس بجدوى تدخلاته في النظام الإنتخابي , أما التحدي الثاني فهو إجبار أقطاب الأسرة و خصوصاً الشيخ ناصر المحمد و الشيخ أحمد الفهد على تأجيل الصراع على الحكم لفترة سنة على الأقل يتمكن من خلالها الشيخ جابر المبارك من العمل , و أنصح شخصياً بأن يذيب سمو الأمير الجليد بينه و بين الشيخ سالم العلي من خلال توزير الأكفاء من فرع السالم .

أما التحدي الثالث لسمو الأمير فهو التعامل مع ما قد تقوم به المعارضة من نشاطات خارج المجلس , خصوصاً بعد فقدانها لكل أسلحتها المشروعة كإصدار القوانين و تقديم الإستجوابات بسبب المقاطعة , هذا ما سيجعلها تتربص بهذا المجلس و تعد أنفاس أنفاسه , أيضاً ستحاول المعارضة و الأطراف المتهورة فيها من إختلاق التصادمات من خلال القيام بالمسيرات و ندوات السقف العالي على شاكلة "لن نسمح لك" .

على العموم , كل ما سبق مرتبط بعوامل السن و المرض للعديد من الأطراف مع تأثره أيضاً بما يحصل في الإقليم , فتطورات الثورة ضد الإخوان في مصر و الخليج و تطورات الأزمة السورية و النفوذ الإيراني في المنطقة كلها عوامل قد تساهم في قلب أو إستقرار الأوضاع في الكويت , أتمنى شخصياً أن لا يكرر البيت الشيعي خطأ الإخوان بالإستعجال على رزقهم و أن يركدوا قليلاً و يُركدوا قواعدهم الإنتخابية فالمكاسب الآنية جاءت و بشكل أساسي بسبب المقاطعة , أيضاً على المعارضة الإيمان بأن السكن في بيت خربان أفضل من السكن في العراء لذلك عليهم أن يحذروا من سياسة الأرض المحروقة , خصوصاً و أنهم في مواجهة أحكام قضائية أطمئنهم مسبقاً بحصولهم على العفو الأميري فيها , علينا جميعاً مراعاة الله في أنفسنا و في بلدنا و في مستقبلنا و تغليب العقل على الطفاقة و التهور .

حفظ الله الكويت من كل مكروه  

Friday, November 30, 2012

سـ أشارك



بالرغم من تواجدي في الخارج خلال الأسبوعين الماضيين إلا أنني دخلت في العديد من المناقشات حول مبدأ المشاركة ومقاطعة إنتخابات مجلس الأمة التي ستقام في الغد، وللأمانة الأدبية أقول أنني حاولت احترام جميع الآراء حول هذه المسألة، إلا أن أكثر ما يزعجني هو جهل الناس الواضح بالدستور ومواده والتطلعات المنشودة منها، وهذا ما دفعني لكتابة هذا الموضوع الذي أعتبره اجتهاد خاص في هذه المسألة مع الحرص على عدم التطرف فيه، أي أن ما سأكتبه هنا هو رأيي الشخصي الذي أطبقه على نفسي ولا ألزم به الآخرين، فالواضح من نقاشاتي السابقة عدم وجود أرضية مشتركة بين جميع الأطراف لتمكين أحدها من إقامة الحجة على الآخر، وربما يكون في ذلك الاختلاف مصلحة كما جاء في القول المأثور "اختلاف أمتي رحمة".

تعود أغلب دساتير الدول العربية – ودستور الكويت من ضمنها – إلى القواعد التي وضعها دستور الثورة الفرنسية، ويعتبر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو من أهم فلاسفة هذه الثورة، وفي كتابه "في العقد الاجتماعي" وصف روسو المجتمعات السياسية أو الدول بالآتي:


"إن الأسرة هي المنوال الأول للمجتمعات السياسية: فالرئيس هو الصورة عن الأب، والشعب هو الصورة عن الأولاد" و"أن ارتباط الأولاد بأبيهم لا يدوم إلا طيلة الوقت الذي يحتاجون في أثنائه إليه لحفظ بقائهم، و ما أن تنفك هذه الحاجة، حتى تنحل الرابطة الطبيعية، فأما وقد أصبح الأولاد في حل من طاعة أبيهم التي كانت واجبة عليهم، أما وقد صار الأب في حل من رعاية الأولاد التي كانت واجبة عليه، دخلوا جميعهم على حد سواء في طور الاستقلال.

وإذا ما مكثوا متحدين لم يعد ذلك بالفطرة الطبيعية وإنما بمقتضى الإرادة".


أي أن حالة نزوع الأولاد أو الشعب نحو التحرر من رعاية أو وصاية الأب طبيعية فور زوال حاجتهم الطبيعية له ولرعايته، و أعتقد هنا بأن مبدأ مقاطعة انتخابات الغد يقوم على هذا الأساس وهو الاعتراض على فرض سمو الأمير لإرادته على النظام الانتخابي فيما يعتبره المقاطعون فرض للوصاية على شعب ليس بحاجة لها، وهذا رأي محترم، لكن احترامه لا يعني بالضرورة الاتفاق معه، فبالعودة إلى المذكرة التفسيرية لدستور دولة الكويت أجدها تقتبس من روسو تصوير الأمير كـ"أب" للشعب عندما تقول:


"من هنا جاء الحرص في الدستور الكويتي على أن يظل رئيس الدولة أباً لأبناء هذا الوطن جميعا".

وقد حددت المذكرة الهدف الأساسي من هذا الدستور في الفقرة التي قالت فيها:


"لقد تلاقت هذه الأضواء وتلك المعاني المتكاملة عند أصل جوهري في بناء العهد الجديد، قام بمثابة العمود الفقري لهذا الدستور، وهو الحفاظ على وحدة الوطن واستقراره".


أي أن الهدف الأسمى لهذا الدستور وهذا النظام هو وحدة الوطن واستقراره، ومن أجل القيام بذلك وضحت المذكرة التفسيرية الأساسات التي يقوم عليها هذا الدستور وهو التزاوج المتعمد بين النظام الرئاسي (الوراثي) و النظام البرلماني (الجمهوري) مع المعرفة المسبقة بميزة كل نظام على الآخر حيث يقول المشرع بأن ميزات النظام البرلماني لم تنسيه "عيوب النظام البرلماني التي كشفت عنها التجارب الدستورية، ولم تحجب عن نظره ميزة الاستقرار التي يعتز بها النظام الرئاسي".

فالمشرع يرى بأن النظام البرلماني القائم على الأحزاب قد يدخل البلاد في "معركة لا هوادة فيها بين الأحزاب، بل وتجعل من هذا الهدف سببا رئيسيا للانتماء إلى هذا الحزب أو ذاك، وليس أخطر على سلامة الحكم الديمقراطي أن يكون هذا الانحراف أساسا لبناء الأحزاب السياسية في الدولة بدلا من البرامج والمبادىء، وأن يكون الحكم غاية لا مجرد وسيلة لتحقيق حكم أسلم وحياة أفضل، وإذا آل أمر الحكم الديمقراطي إلى مثل ذلك، ضيعت الحقوق والحريات باسم حمايتها، وحرف العمل السياسي عن موضعه ليصبح تجارة باسم الوطنية".

أيضاً تعمد المشرع و أصرّ على إعطاء أمير الدولة سلطة "التقدير" في العديد من المواد التي نقتبس منها الآتي:

-"يكون الأمير حكما في الأمر، إن شاء أخذ برأي المجلس وأعفى الوزارة، وإن شاء احتفظ بالوزارة وحل المجلس".

-"لم يشترط الدستور أن يكون الوزراء أو (نصفهم على الأقل) من أعضاء مجلس الأمة، تاركا الأمر لتقدير رئيس الدولة".

-"ترك مجال واسع لتصرف رئيس الدولة أو السلطة التنفيذية دون رجوع سابق إلى مجلس الأمة أو دون الرجوع إليه كلية".

بالإضافة إلى إعطاء سمو الأمير وزناً مساوياً - إن لم يكن متفوقاً – على مجلس الأمة الذي لو أجمع كل نوابه على تعديل مواد الدستور فللأمير الحق منفرداً في رد هذا التعديل "وجعلت حق رئيس الدولة في هذا الخصوص (حق تصديق) بالمعنى الكامل لا مجرد حق اعتراض توقيفي".

أما في شأن الضرورة و تحديدها، فيمكننا القياس على ما ذكرته المذكرة التفسيرية في تفسير المادة 69 من الدستور والمتعلقة بإعلان الأمير للأحكام العرفية حيث تقول:

"يكون إعلان الأحكام العرفية بمرسوم، وذلك مراعاة لضرورات السرعة في عمليات الدفاع، ولكن هذا النص، وكل نص مماثل له في الدستور، لا يمنع رئيس الدولة والحكومة من أخذ رأي مجلس الأمة في الأمر مقدما إذا سمحت الظروف بذلك، وهذا أمر متروك لتقدير الأمير وحكومته دون إلزام".

و بهذا نجد أن الدستور و القائمين عليه أعطوا لسمو الأمير الكثير من الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والتقديرية التي "أوحت" له بأحقيته في إصدار مرسوم الضرورة القاضي بتقليص عدد الأصوات من أربعة إلى واحد، لكن هذا المنطق لن يجد له آذان صاغية في معسكر المعارضة والمقاطعة، فهؤلاء يعتقدون – ولهم الحق في ذلك – بأن "الشعب" أو "الأمة" مصدر السلطات جميعاً وهي المسؤولة عن تحديد آليات اختيار نوابها ومن حقها الاعتراض على مرسوم سمو الأمير بالأساليب التي حددها لها الدستور في مذكرته التفسيرية التي تقول:

"هذه المقومات والضمانات في مجموعها هي التي تفي على المواطنين بحبوحة من الحرية السياسية، فتكفل لهم - إلى جانب حق الانتخاب السياسي - مختلف مقومات الحرية الشخصية (في المواد 30 ، 31 ، 32 ، 33 ، 34 من الدستور)

وحرية العقيدة (المادة 35)

وحرية الرأي (المادة 36)

وحرية الصحافة والطباعة والنشر (مادة 37)

وحرية المراسلة (المادة 39)

وحرية تكوين الجمعيات والنقابات (المادة 43)

وحرية الاجتماع الخاص وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات (المادة 44)

وحق تقديم العرائض إلى السلطات العامة (المادة 45)".

و هذا الرأي منطقي أيضاً، أما المسألة كما أراها فهي تعود إلى اختلاف الرأي بين الطرفين من حيث "الأهلية الكاملة" للشعب أو للأولاد حسب وصف روسو في تحديد الآلية التي يختارون فيها ممثليهم، فالأولاد يقولون نحن من نختار ممثلينا بالشكل الذي نريده والأب يقول بأن اختياراتكم السابقة جاءت بنتائج مدمرة تهدد الهدف الأسمى للدستور وهو "الحفاظ على وحدة الوطن واستقراره" مما جعلني أرى "ضرورة" للتدخل وتغيير النظام الذي تنتخبون من خلاله ممثليكم، وبين هذا الرأي و ذاك، علينا اختبار وجهات نظر الطرفين لمعرفة أيهما الأقرب إلى تحقيق "الحفاظ على وحدة الوطن واستقراره" والبداية في وضع الفرضيات التالية:

أولاً: نظام الدوائر الخمس والأربع أصوات جاء بإرادة الشعب .

ثانياً: أتاح هذا النظام للشعب اختيار نواب مجلس 2008 و 2009 (القبيضة) و 2012 الذي عوّض فيه الشعب خطأه السابق في انتخاب القبيضة من خلال انتخاب نواب المعارضة الذين تمكنوا من تشكيل كتلة الأغلبية المعارضة التي تمثل إرادة الأحرار من أبناء الشعب الكويتي .

ثالثاً: أداء أغلبية مجلس 2012 كان جيداً ويصب في مصلحة الشعب و"الحفاظ على وحدة الوطن و استقراره" مما أزعج السلطة فتدخلت أولاً في تعطيله لمدة شهر ثم في إبطاله من خلال حكم المحكمة الدستورية ثم في ضمان عدم عودته في تحويل قانون الدوائر للمحكمة الدستورية ثم في القضاء عليه من خلال مرسوم الصوت الواحد .

بعد وضع هذه الفرضيات علينا العودة إلى الأداء الفعلي لنواب هذه الكتلة فور وصولها إلى المجلس والحكم عليه طبقاً للمعايير الأساسية وهي الحفاظ على وحدة الوطن واستقراره، والحفاظ على حريات الناس، والحفاظ على مصالح الكويت الخارجية، فعلى بركة الله نبدأ:

بدأ نواب الكتلة أعمالهم في 4-2 باقتحام السفارة السورية وإتلاف ما فيها وتهديد الحكومة بالاستجوابات إن لم تقم بطرد السفير السوري، ثم قام نفس النواب بحرق صورة الرئيس الروسي أمام سفارته مما أحرج الكويت أمام الخارجية الروسية وأضر بمصالح الكويت الخارجية.




بعد ذلك في 7-2 عقدت كتلة العمل الشعبي برئاسة أحمد السعدون صفقة يصوت من خلالها التيار السلفي للسعدون بالرئاسة مقابل موافقة الشعبي على تغيير المادة الثانية من الدستور في مخالفة واضحة للدستور الذي قالت مذكرته التفسيرية: 

"لو قيل (والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع) إذ مقتضى هذا النص عدم جواز الأخذ عن مصدر آخر في أي أمر واجهته الشريعة بحكم مما قد يوقع المشرع في حرج بالغ إذا ما حملته الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور وبخاصة في مثل نظم الشركات، والتأمين، والبنوك، والقروض، والحدود، وما إليها".




و في 18-2 أعلن نائب الكتلة أسامة المناور عن وقوفه ضد بناء كنائس جديدة أو توسعة القائم منها في توضيح على تصريحه السابق بهدم الكنائس.


و في اليوم التالي أعلن نائب الكتلة عبيد الوسمي عن استجواب رئيس الوزراء ثم عاد عن هذا القرار بعد ضغوط من نواب الكتلة.


و مع بداية شهر مارس قدم نائب الكتلة محمد هايف اقتراحاً بتعديل المادة 79 من الدستور تجبر الدولة على "أسلمة" قوانينها في مخالفة واضحة للمادة الثانية من الدستور.



و في 11 مارس قام مكتب المجلس برئاسة أحمد السعدون بتعديل بلاغ اقتحام المجلس وتلطيف الحادثة من خلال نزع صفة "الاقتحام" عنها.


ومع ختام شهر مارس قام نواب الكتلة بتهديد وزير الداخلية في حال سماحه لملتقى النهضة بالانعقاد في الكويت مما أدخل الكتلة في خلاف بين مؤيد ومعارض لهذا الملتقى في إشارة واضحة إلى عدم إيمان هؤلاء بالحريات الشخصية وحرية الرأي.


وفي منتصف شهر إبريل قدم وصوّت نواب كتلة الأغلبية على قانون يعاقب بإعدام كل من "يطعن" في الصحابة دون تعريف معنى الطعن ومن هم الصحابة مع التفريق بين إن كان الطاعن مسلماً أو غير ذلك مما جعل هذا القانون شاهداً على تطرف هذه الكتلة وسخافة فكر عقلائها قبل متطرفيها.




أما ختام شهر إبريل فجاء مع نائب الكتلة فيصل اليحيى الذي قدم 9 تعديلات على الدستور تهدف إلى إعطاء صلاحيات إضافية لمجلس الأمة على حساب الصلاحيات الأميرية.


ومع بداية مايو تسابق نواب الكتلة عبيد الوسمي مع النائبين مسلم البراك وعبدالرحمن العنجري لتقديم استجواب إلى وزير المالية مصطفى الشمالي حيث لم يتمكن نواب الكتلة من التنسيق المسبق لتقديم استجواب واحد بسبب مكالمة هاتفية!


وفي منتصف مايو قدم نواب الكتلة تعديلات على قانون المحكمة الدستورية تعطي الحق لمجلس الأمة في اختيار بعض أعضاء المحكمة في مخالفة واضحة لمبدأ فصل السلطات الذي كان ينادي فيه نواب الكتلة سابقاً.


ومع بداية شهر يونيو تقدم نائب الكتلة الصيفي الصيفي باستجواب لوزير الشؤون أحمد الرجيب حول مقالة كتبها سابقاً وأعمال قام بها قبل الدخول للوزارة!! 

ثم تبعه النائب المقرب للكتلة رياض العدساني و قدم استجوابا آخر لنفس الوزير!!



بعد ذلك وجه عدد من نواب الكتلة وبزعامة نائب رئيس المجلس (خالد السلطان) نداء إلى العاهل السعودي للتدخل في الأزمة السورية في تجاوز واضح لسمو الأمير ومحاولة رخيصة لتهميشه!!



هذه باختصار هي مسيرة معارضة مجلس 2012 وأغلبيتها، محاولات لتعديل الدستور وسلب الحريات وتخريب العلاقات الخارجية وتسابق على الاستجواب وتغوُل على السلطات الأخرى.

 نعم هو مجلس جاء بإرادة الشعب و يمثل الشعب في أفعاله، لكن هل يحق لهذا الشعب بعد ذلك أن يعلن تحرره من وصاية ورعاية سمو الأمير الذي لم يجد أمامه سوى كبح هذا المجلس من خلال رد قوانين تعديل المادة 79 من الدستور، ورد قانون إعدام الطاعن في الصحابة، وإيقاف المجلس لمدة شهر تم فيها إبطاله بحكم المحكمة الدستورية.




بعد هذا الاختبار البسيط يحق لنا أن نتسائل من الذي انتصر للدستور ورفض تعديلاته؟

ومن الذي انتصر للحريات ورفض التضييق عليها؟

هل هو سمو الأمير أم ممثلي الشعب؟

هل للشعب الذي يختار ويؤيد هذه النوعية من النواب الحق في المطالبة بزيادة صلاحياته على حساب الصلاحيات الأميرية؟ هل من حق هذا الشعب أن يطالب باختيار سلطته التنفيذية بالإضافة إلى التشريعية؟ هل من حق هذا الشعب رفض تدخلات سمو الأمير في النظام الانتخابي والتي لا أؤيدها شخصياً؟

لذلك، و من مبدأ قبولي بالتصويت لنواب على هذه الشاكلة وعدم مقاطعتي لجميع الانتخابات السابقة بالرغم مما مارسه هؤلاء الأعضاء من تعديات واضحة على الدستور نصاً وروحاً فلا أجد أمامي إلا التعامل بالمثل مع التدخل الذي قام به سمو الأمير في النظام الانتخابي، وهذا ما يجعلني أشارك بالتصويت في هذه الانتخابات.

أشارك من مبدأ الاعتراف بعدم نضوج هذا الشعب و سوء خياراته، أشارك من مبدأ احترام النفس وعدم الكذب على الآخرين والتدليس عليهم، أشارك لأقول شكرا من القلب لسمو الأمير على رده للقوانين السيئة التي أقرتها أغلبية نواب 2012 وليس تأييداً لمرسوم الضرورة، أشارك لأني لم أفقد الأمل بمستقبل أفضل لهذا البلد ولم يتمكن مني اليأس من ممارسات نوابكم.

أعلم جيداً بأن المجلس القادم لن يكون أفضل من غيره، لكن المشاركة في الانتخابات تأتي كـ إشارة على "نصف" تأييد لسمو الأمير ورفض كامل وشامل لممارسات رموز المعارضة وجماهيرها.

أقول سأشارك لأن ذاكرتي ترفض النسيان والتغاضي عن الإجرام التشريعي الذي مارسه نواب الأغلبية السابقة، سأشارك لأن حِسي المستقبلي يدق نواقيس الخطر مما يفعله هؤلاء والمغفلين من جماهيرهم، سأشارك لأن المشاركة حق لا أرغب في تضييعه بعد أن ضيّع الشعب البلد في خياراته السيئة.

أكرر مرة أخرى، هذا اجتهادي الشخصي الذي أطبقه على نفسي ولا ألزم به غيري، شكرا للجميع و الله يعديها على خير.