Thursday, June 26, 2014

صباح... يدافع عن صباح




توقعت، قبل عشرة أيام، أن يلقي سمو الأمير خطابا أميرياً للحديث حول موضوع "شريط" الشيخ أحمد الفهد و"مستندات" النائب السابق مسلم البراك، وقد صدقت توقعاتي وجاء الخطاب الأميري في 25-6-2014، أما أبرز رسائل هذا الخطاب فهي الآتي:

1-   اختيار الآية الكريمة: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).
وهو اختيار دقيق، قد يكون المقصود به الشيخ أحمد الفهد.
2-   الاستياء الشديد من عاصفة تراشق الاتهامات التي تجتاح البلد، وخصوصا أن بعض هذه الاتهامات تُرمى جُزافاً بلا دليل أو سند "موضوعي".
3-   كشف سمو الأمير عن قيامه بعقد لقاءات "أخوية" مع العديد من المواطنين للتباحث حول هذه القضية، لكن ما نعرفه من تلميحات الشيخ أحمد الفهد هو أن العلاقة شبه منقطعة بينه وبين القيادة العليا في البلاد، وعند إضافة استقبال سمو الأمير للمتهم في القضية السيد جاسم الخرافي والشيخ ناصر المحمد، يمكن القول بأن سموه مُهتم بالقضية لكنه غير مُهتم بوجهة نظر الشيخ أحمد الفهد!!



4-   تأكيد سموه على نزاهة القضاء، وهو أحد الجهات المتهمة في هذه القضية، بل أن سموه وضع الجهاز القضائي كـ حَكم في هذه القضية، وشدد على أن من لديه أية معلومات حولها عليه تسليمها إلى النيابة العامة (السلطة القضائية).
5-   أما أهم رسائل سموه، فكان التأكيد، على أن ما نشاهده اليوم من أحداث "لا يمكن أن يكون أمرا عفويا أو وليد الساعة بل هو جزء من مخطط مدروس واسع النطاق يهدف إلى هدم كيان الدولة ودستورها وتقويض مؤسساتها وزعزعة الأمن والاستقرار".
6-   النقطة الأخيرة وهي التأكيد على أن "أمن الوطن واستقراره وسيادة القانون واحترام القضاء فوق الحريات وقبل كل الحريات"، وأن "قيمة الحرية رهن بالتزامها بإطارها القانوني والأخلاقي الذي يحترم حريات الآخرين ويصون كرامتهم"، وأن "الحرية والمسؤولية صنوان لا يفترقان"، وأن "لا خير في حرية... تهدد أمن الكويت وسلامتها، ولا خير في حرية... تنقض تعاليم ديننا وشريعتنا، ولا خير في حرية... تهدم القيم والمبادئ والأخلاق، ولا خير في حرية... تتجاوز القانون وتمس احترام القضاء، ولا خير في حرية.. تشيع الفتنة والتعصب وتجلب الفوضى والخراب والدمار".



كانت هذه رسائل سمو الأمير وهي واضحة، رغم أنها لم تأت بـ"الحواسم" و"القواطع" التي توقعتها، أي أن سموه لم يعلن "حسمه القاطع" بعدم صحة هذه الاتهامات وزور القضية، ومن هنا يمكن القول بأن الموقف "الرسمي" لسمو الأمير "متوازن" بين أطراف القضية، لكن موقفه "الشخصي" يميل إلى عدم تصديقها وتأييد براءة المتهمين فيها، سواء المتهم جاسم الخرافي أو ناصر المحمد أو رموز السلطة القضائية.

وقد يستغرب البعض هذا الموقف من سموه، لكن الأسس الموضوعية والمنطق السليم يؤكدان على أن ليس أمام سمو الأمير أي "خيار" لاتخاذ موقف آخر، فالقضية – إن صحّت – فهي تمسه ولا تمس غيره، فما جاسم الخرافي وناصر المحمد سوى "أكباش فداء" لتلقي الضربات الموجهة إلى صباح الأحمد!!

وللتأكيد على ذلك، علينا العودة إلى "الجذور" العميقة للقضية، واستخراج هذه "الجذور" لا يمكن دون العودة إلى التسلسل التاريخي للأحداث، وهذا ما سأقوم به هنا:

1-   ظهرت قضية "الشريط" في ديسمبر 2013 في تويتر، وكان محورها الرئيسي وجود مؤامرة يتعاون فيها جاسم الخرافي وناصر المحمد للوصول إلى "الحكم" عبر استبعاد سمو ولي العهد وسمو الأمير، مع تلميحات بأن مصدر هذا "الشريط" هو الشيخ أحمد الفهد، ومع ملاحظة عدم انفتاح رموز المعارضة (مسلم البراك) بشكل كامل على الموضوع.
2-   بعد ذلك تقدم جاسم الخرافي ببلاغ إلى النائب العام وفيه طلب شهادة الشيخ أحمد الفهد بالقضية، وبذلك انتهت قضية "الشريط" إعلاميا، ووُضعت في "الفريزر" للأربعة أشهر القادمة.


3-   وفجأة، في شهر أبريل 2014، عادت "الأكشنة" الإعلامية للقضية، فتم استدعاء أحمد الفهد للشهادة حول قضية "الشريط" في النيابة، وعقد مجلس الأمة جلسة عرضت فيها الحكومة "الشريط" على الأعضاء.
4-   ودون أي مقدمات حقيقية، خرج النائب السابق مسلم البراك في مقابلة على قناة "اليوم" للإعلان عن موضوع آخر، وقضية أخرى، وهي امتلاكه لـ"مستندات" تُثبت تورط الشيخ ناصر المحمد في قضايا "غسيل أموال"، وتورطه أيضاً في رشوة "قضاة" المحكمة الدستورية، مع التلميح إلى أن هذه الرشوى تهدف إلى مكافأة القضاة على حكمهم بدستورية "الصوت الواحد"، مع التأكيد على أن البراك لم يذكر لا من بعيد أو قريب عن ارتباط "مستنداته" بالشيخ أحمد الفهد وقضية "الشريط".
5-   بعد ذلك دخلنا في سلسلة سجالات شكلية ومعارك صوتية انتهت في دعوة النائب السابق مسلم البراك الجماهير للحضور إلى "ساحة الإرادة" ليكشف أمامهم "مستنداته" التي تدين القضاة المرتشين وراشيهم الشيخ ناصر المحمد، وذلك في 10-6-2014.


6-   وبالفعل توجهت الجماهير إلى هذه الندوة، وتم الكشف عن بعض المستندات بالتنسيق مع حساب "كرامة وطن" في تويتر، ولكن مسلم البراك لم يذكر أيضا علاقة الشيخ أحمد الفهد و"الشريط" بالمستندات الموجودة لديه.
7-   وبعد أربعة أيام من ندوة "ساحة الإرادة"، وبعد استخفاف الكثيرين بالمستندات التي كشف عندها مسلم البراك[1]، أعلن تلفزيون "الوطن" فجأة عن لقاء الشيخ أحمد الفهد في 14-6-2014، وفي هذا اللقاء كشف الشيخ أحمد عن علاقته المباشرة بموضوع "الشريط" و"المستندات" في آن واحد، ولمّح إلى أنه هو "المصدر" الأول لهذه الوثائق، وهو الذي يكشف ما يريد كشفه منها لحلفاءه – أو أتباعه – الذين يقومون بعملية "البروباجاندا" بعد ذلك.

ومن هنا تم الكشف عن الارتباط الوثيق بين "الشريط"، وما جاء فيه من مؤامرة (على سمو الأمير وسمو ولي العهد)، بـ"المستندات" وما جاء فيها من غسيل أموال ورشوة قضاة، وكشف الارتباط الوثيق - أيضاً - بين الشيخ أحمد الفهد (المصدر الأول للشريط والمستندات)، بالمعارضة الممثلة بـ مسلم البراك والإخوان المسلمين وبعض المغردين (أداة نشر وعمل "بروباجاندا" الشريط والمستندات في تويتر والمقابلات والتجمعات).

وكشف أيضاً بأن "المتعوس" و"خايب الرجا"، أو الشيخ ناصر المحمد وجاسم الخرافي، هما المتهمان الرئيسيان في "التآمر" على حياة سمو الأمير المُثبت في "الشريط"، ومؤامرة "غسيل الأموال" و"رشوة القضاة" المثبتة في "المستندات".


ورغم عدم قناعتي الشخصية (حتى الآن) بصحة "الشريط" و"المستندات"، فإنني سأتجاوز المنطق وأُسلِّم بأنها صحيحة، وأن ما جاء فيها من مؤامرات واتهامات صحيح، وهنا يأتي البحث عن "الدافع" أو الـ Motive الذي يدفع الشيخ ناصر المحمد وجاسم الخرافي للقيام بهذه المؤامرات، وخصوصاً رشوة القضاة من أجل الحكم بدستورية مرسوم "الصوت الواحد". 

فـ منطق التسلسل التاريخي للأحداث يقول بأن الشيخ ناصر المحمد خرج من الحكومة في نوفمبر 2011، وبذلك أصبح خارج مرمى نيران المعارضة واستجواباتها، وبذلك لم يعد بحاجة لشراء ذمم النواب الذين يصوتون لصالحه للتغلب على هذه الاستجوابات.

بينما مرسوم "الصوت الواحد"، أصدره سمو الأمير صباح الأحمد في أكتوبر 2012.

وسمو الأمير هو من واجه مسيرات "كرامة وطن" المعارضة للصوت الواحد من خلال عقد سلسلة لقاءات بالمواطنين ومختلف القوى الشعبية.

وسمو الأمير هو من دعا مشاركة المواطنين بالانتخابات لمواجهة حملة "المقاطعة".

وسمو الأمير هو من قام بعد ذلك بسلسلة من الزيارات للقبائل الكويتية لرأب الصدع وحثها على المشاركة في الانتخابات القادمة.

وسمو الأمير هو من ألقى خطاب "لا غالب ولا مغلوب" بعد صدور حكم المحكمة الدستورية بـ دستورية "الصوت الواحد" وبطلان مجلس 2012 الثاني[2].








أي أن "دوافع" سمو الأمير، الشيخ صباح الأحمد، لاستصدار حكم دستورية "الصوت الواحد"، أكبر بكثير من "دوافع" الشيخ ناصر المحمد في دفع مبلغ 70 مليون جنيه إسترليني (حسب مستندات البراك) للحصول على هذا الحكم!!



وبذلك..
يكون من "المنطقي"، أن يدافع سمو الأمير في خطابه عن السلطة القضائية والتأكيد على نزاهة القائمين عليها.

ويكون من "المنطقي"، أن يربط المؤمنون بصحة "المستندات" سمو الأمير بالشيخ ناصر المحمد ورشوة القضاة، حيث أنه صاحب "الدافع" الأكبر لاستصدار حكمهم بدستورية "الصوت الواحد".

لكن غير "المنطقي"، هو أن يقوم الشيخ أحمد الفهد بالكشف عن مؤامرة "الشريط" للدفاع عن حياة سمو الأمير، وفي الوقت نفسه، يكشف (عن طريق مسلم البراك) عن مستندات تثبت تلقي القضاة لرشوة في قضية أصدروا فيها حكم لصالح سمو الأمير!!

وهنا يأتي دور اختلاف "الأجندات المشتركة" بين الشيخ أحمد الفهد ورموز المعارضة، فالشيخ أحمد يريد ضرب جاسم الخرافي وناصر المحمد مع تحييد سمو الأمير، لذلك ربط نفسه بـ"الشريط"، لكن المعارضة تريد ضرب جاسم الخرافي وناصر المحمد والقضاء مع عدم اهتمام حقيقي بتحييد سمو الأمير، ولذلك ربطوا أنفسهم بـ"المستندات".

وعلى هذا الأساس، تم توزيع الأدوار بينهما، كل يضرب في الاتجاه الذي يريده، وعلى هذا الأساس تحالف الخصوم لمواجهة هذه الضربات، فـ استقبلت النيابة جاسم الخرافي وناصر المحمد وقضاة المحكمة الدستورية، وضرب مرزوق الغانم مصداقية "الشريط" و"المستندات" في مجلس الأمة، وقمعت – أو قمتت – الحكومة وسائل الإعلام التابعة للشيخ أحمد الفهد، وجاء خطاب الأمس لـ يُتوج كل هذه التحركات بتأييد أميري للخرافي والمحمد والقضاء، وتذكير بالإحسان وعدم البغي في الإفساد للطرف الآخر.



[1] على رأسهم رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم.
[2] جاء ذلك في يونيو 2013، أي بعد سنتين تقريباً من خروج الشيخ ناصر المحمد من الحكومة.

Sunday, June 15, 2014

بين الفاضح والمفضوح... يفتح الله !!

موضوع الشريط، وبغض النظر عن رأيك في مدى مصداقيته، يؤكد لنا بأن أغلب ما نراه أو نعيشه من أزمات سياسية مفاجِئة، هي في الحقيقة أزمات "مفتعلة"، أي أن صعودها إلى السطح وظهور تفاصيلها للعامة لم يكن مجرد صدفة، بل تم من خلال تدبير متقن، ومن أطراف متعددة، تحاول في الكثير من الأحيان نفي ارتباط أجندتها السياسية، وتشتيت الأنظار عن أهدافها الموحدة.

نعود على سبيل المثال إلى الظهور الأول لقضية "الشريط"، فنجد أن عنوانها الرئيسي كان مؤامرة اغتيال سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد الصباح، وكان تركيز الأتباع من المغردين على هذه القضية، وكان هناك ترويج لفكرة إلقاء ولي العهد لبيان بهذا الخصوص إلا أن ذلك لم يتم.



بعد ذلك ظهرت قضية أخرى حول "الشريط" هي اغتيال سمو الأمير، وتعاملات مالية مشبوهة مع إيران وحزب الله، وكان هناك تلميح بأن هذه التعاملات ستضر علاقة الكويت بالمملكة العربية السعودية.

بعد ذلك اختفت تماماً هذه المواضيع وحلت محلها قضية فساد القضاء وغسيل الأموال في إسرائيل، ولم يكن لذلك ارتباط مباشر بـ"الشريط"، لكنه جاء بمستندات أعلن عنها النائب السابق مسلم البراك.

إلى أن جاء لقاء الفهد أمس، ليكشف لنا عن الارتباط الوثيق بين "الشريط" و"المستندات"، وبينه وبين مسلم البراك، لتكتمل أمامنا الصورة، وتعود بنا الذاكرة إلى مراحل الكشف عن هذه الفضيحة، وعن الأدوات التي تم استخدامها، سواء الأشخاص أو الرسائل التي قاموا ببثها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ما هو "العفوي" من كل ما شهدناه وما هو "المفتعل" !؟ من كان يتكلم أمامنا بحرقة "صادقة" ومن كان يؤدي "الدور" المطلوب منه !؟  من كان يكتب 30 ألف تغريدة في اليوم من باب الحرص على "وطنه" ومن كان يفعل ذلك مقابل "كومشن" !؟

كل ذلك يجب أن يكون في الحسبان عندما تظهر "الفضيحة" أو "الأزمة" القادمة، سواء كانت من هذا الطرف أو الطرف المقابل، فليس من المقبول أن نكون "وقوداً" لمعركة "مصالح"، ولا "عدداً" يتفاخر فيه "سماسرة" الشيوخ على بعضهم البعض، ولا "مرتزقة" مجانيين لتنفيذ أجندة "مرتزقة" قابضين !!  

Thursday, June 12, 2014

لا حرمنة... ولا خرفنة !!


يعتمد التحليل بشكل عام، والتحليل السياسي بشكل خاص، على نوعين من المعلومات، فهناك تحليل يعتمد على المعلومة الكاملة أو المؤكدة، وهو التحليل الأحكم، لكن عدم توافر المعلومات الكاملة في كثير من الأحيان، يجبر المحلل السياسي على الاعتماد على "أنصاف" المعلومات، فيضطر إلى تركيب "نص" معلومة على "نص" معلومة أخرى للوصول إلى الاستنتاج "المنطقي" أو"الموضوعي" للحدث، وهذا المقال يعتمد على هذا النوع من التحليل.

في أغسطس 2012، تداول الناس تصريحا لرئيس مجلس الشورى الإيراني د. علي لاريجاني قال فيه: "سقوط نظام بشار الأسد مقدمة لسقوط الكويت، والكويت تشكل لإيران عمقا استراتيجياً لا يمكن أن تتنازل عنه، وعلى دول الخليج (الفارسي) ألا تعرقل طموحات إيران الكبرى وإلا فإن العرب سينحسرون إلى مكة كما كانوا قبل 1500 عام"[1].



فور انتشار هذا التصريح، حاولَت إحدى الصديقات (المؤيدة للمعارضة من باب الصدفة) أن تسألني عن رأيي في هذا التصريح، وكانت حريصة على معرفة رأيي فيه لسبب واضح هو انتمائي العرقي والمذهبي، ولذلك كان سؤالها المُبطن هو "لمن ولاؤك، للكويت أو إيران!!؟".

بطبيعة الحال، رددت عليها بــ"لباقتي المعهودة" وطلبت منها أن تأتيني بمصدر المعلومة قبل أن أجيبها على السؤال، فذهَبَت المسكينة للبحث عن المصدر، لكنها لم تجده، فعادت لي وقالت "لم أجد المصدر.. ولكني أريدك أن تعطيني رأيك في التصريح؟".

فرددت عليها بـ"ذرابتي المعروفة" بأني لن أجيب على سؤالها دون الحصول على مصدر المعلومة، وهنا حاولَت أن توضح لي عدم أهمية المصدر، وحاولت أنا الإصرار على طلب المصدر، فوصلنا إلى خط مسدود اضطرها لإخراج ما في جعبتها قائلة: "أنت تتهرب من الإجابة، حتى لا تعترف بأن إيران وأتباعها خطر على الكويت!!".

فأجبتها فوراً بتأييدي الكامل لهذه المعلومة: "بالفعل إيران وأتباعها خطر على الكويت، لكن وجود كويتيين أغبياء (مثلك) يبنون مواقفهم وردود أفعالهم على معلومات مبهمة دون التأكد من مصداقيتها ومصادرها أخطر على الكويت من إيران وأتباعها".

ذكرت المثال السابق، لأن ما أراه اليوم من غباء (متعمد وغير متعمد) مشابه لما حدث في تلك القصة، فالواضح أمام أي محلل سياسي (نص كُم) هو دخولنا رسميا في مرحلة "أزمة الحكم – الجزء الثاني"، حيث أن الصراع بين تحالفين يقود أحدهما الشيخ أحمد الفهد + الإعلام المؤيد (الوطن وعالم اليوم) + المعارضة بزعامة مسلم البراك والإخوان المسلمين وسلف المعارضة والنواب المستقيلين وشباب الحراك وغيرهم.

أما المعسكر الثاني، فهو بقيادة الشيخ ناصر المحمد + جاسم الخرافي + الإعلام المؤيد (الراي، سكوب) + رئيس الحكومة الشيخ جابر المبارك + رئيس المجلس مرزوق الغانم + القضاء + دعم معنوي من سمو الأمير.

والواضح أيضاً، أن هذه التحالفات قابلة للتغيير، وتساهم أخطاء كل طرف في إعادة تشكيلها، بمعنى أن بعض الأطراف لم تكن ضمن هذه التحالفات من الأساس، لكن تعرضها للهجوم من طرف، جعلها تتحالف مع الطرف الآخر للدفاع عن نفسها، ولذلك علينا التفريق بين أطراف الصراع الرئيسية، وبين الأطراف غير الرئيسية.

ومن خلال استعراض سريع لأحداث الأشهر الماضية، يمكن القول بأن التحالف الثاني (ناصر المحمد) أقوى بكثير من التحالف الأول (أحمد الفهد).

فتحالف ناصر المحمد لديه تأثير مباشر على الحكومة، ومجلس الأمة، والإعلام، ومؤسسات الدولة العميقة، وقد كسب "تعاطف" القضاء بعد هجوم المعسكر الآخر على القضاة، بينما يفتقر فريق أحمد الفهد لهذا التأثير، فالشيخ أحمد بلا منصب رسمي يُجيِّره لكسب الولاءات كما كان في السابق، وحلفائه في المعارضة بلا عضوية أو تأثير في مجلس الأمة، وينتظر أغلب شبابهم أحكام قضائية، وحلفائه من الإخوان المسلمين والإسلاميين لم تعد لديهم القوة السابقة بعد سقوط الإخوان في مصر، وعودة حماس إلى إيران، ووضعهم ضمن قوائم الإرهاب في السعودية والإمارات والبحرين.




كل هذه الظروف، تجعل معسكر الشيخ أحمد يشعر بالاختناق، فهو يعيش في عزلة، وخصومه يزدادون قوة، خصوصاً وأن ساعة "الحسم" تقترب، أي أن الوقت ليس في صالحه، ولذلك هو يحاول الاستمرار بالمناورة المرة تلو الأخرى عله يتمكن من تسجيل نقاط تُسقط خصمه، أو على الأقل تمكنه من الوصول إلى اتفاق يضمن وجوده في المرحلة المقبلة، ومن هنا جاءت قضية الشريط، ثم أتبعها بقضية الحسابات والتحويلات المليارية التي فجرها مسلم البراك في مقابلة الوشيحي 27-4-2014.

وعند سؤالي عن الأمر، أقول بأن من يواجه خصم قوي، عليه أن يكون قوياً، أو أن يكون سلاحه قوياً، أو أن يكون مدعوماً من أحد الأطراف القوية.

وبالعودة إلى قضية الشريط، نجد أن الشيخ أحمد الفهد اليوم ليس قوياً وهو خارج منظومة متخذي القرار في الدولة[2]، وسلاحه (الشريط) لم يكن قوياً أيضاً، فهو مبهم وغير منطقي ولم نعرف كيفية تسجيله ومصدره.

وهذا بالضبط ما ينطبق على مستندات مسلم البراك التي كشف عنها بالأمس بالتعاون مع حساب "كرامة وطن"[3]، فـ مسلم والمعارضة لم تعد قوية وهي خارج المجلس، وسلاحها (المستندات) ليست بالقوة والوضوح اللازم لإقامة الحجة على الطرف الآخر، والأهم من ذلك هو أنهم لم يكشفوا عن مصدر هذه المعلومات ومصداقيتها وكيفية وصولها إليهم.

أقول ذلك وأنا أقر أمامكم بأني لا أنزه أي طرف (أكرر أي طرف) عن التورط في تلقي الرشوة والفساد وغسيل الأموال والتآمر على الكويت، لكن وضع الجميع في دائرة الشك لا يعني قبول الاتهامات المتقاذفة هنا وهناك جزافاً، فعندما تحتاج المعلومة إلى اتخاذ "موقف" أو "رد فعل"، وعندما يكون هذا "الموقف" أو "رد الفعل" اتجاه أصحاب شخصيات "اعتبارية" يشغلون مناصب حساسة في الدولة، يكون من المنطقي مطالبة مدعيها بتوضيح المعلومة إلى درجة لا تقبل الشك أو التشكيك، وهذا ما لم يتحقق في قضية "الشريط" وقضية "التحويلات المليارية".

فمحتوى "الشريط" منذ البداية غير منطقي، والطريقة التي تم التسويق والتطبيل فيها لهذه الفضيحة كانت رخيصة وغير مُقنعة، وعندما ظهرت مقاطع منها وجدنا بأنها أقرب إلى الفبركة منها إلى الأصالة، خصوصاً بعد ترويج فكرة ضلوع الشيخ ناصر المحمد بعمليات غسيل أموال تتعلق بـ "حزب الله" و"إيران"!!



وعند الانتقال إلى موضوع "التحويلات المليارية" نجد انعدام المنطقية مرة أخرى، فالمبالغ التي يتم تداولها غير منطقية لأي شخص يعرف أساسيات العمل المصرفي، والطريقة التي تم التسويق والتطبيل فيها لهذه الفضيحة أيضاً رخيصة وغير مقنعة، فقد كانت أقرب إلى الموالد والكرنفالات منها إلى فضيحة مالية تهز كيان الدولة، وعندما أظهر صاحب الفضيحة (في مقابلة الوشيحي وساحة الإرادة وتويتر) مستنداته ظهرت هزالتها واقترابها هي أيضاً إلى الفبركة منها إلى الأصالة، خصوصاً بعد ترويج فكرة ضلوع الشيخ ناصر المحمد بعمليات غسيل أموال في إسرائيل وتدخله في الانتخابات الإسرائيلية لصالح "حزب الليكود" الصهيوني!!

 قمت بوضع إسمي على أحد هذه المستندات من باب التدليل على سهولة فبركتها




وهنا أسأل نفسي وأسألكم، إذا كان الشيخ ناصر المحمد "متعوس"، وفي الوقت نفسه يتمكن من سرقة 23 مليار باوند حسب ما قاله البراك في مقابلة الوشيحي، ويتمكن من غسل أموال "حزب الله" و"النووي الإيراني" حسب ما تم ترويجه في "الشريط"، ويتمكن من دعم "حزب الليكود" الإسرائيلي حسب ما قاله البراك في ساحة الإرادة، فهذا الشخص الذي تمكن من جمع "حزب الله" و"حزب الليكود" و"إيران" و"23 مليار" هو "سوبرمان سياسي" وليس "متعوس"، بل هو يصلح لحكم أمريكا وليس الكويت فقط!!

أما النكتة الأخيرة، فهي مطالبة البراك وأتباعه السُلطة بتكليف شركة "أجنبية" للتحقيق في حقيقة هذه المستندات، والسؤال هنا لماذا لا يقوم مسلم ومن معه بتكليف هذه الشركة بالتحقق من هذه المستندات قبل نشرها؟ فالواضح أن الهمز واللمز اتجاه قضاة المحكمة الدستورية يهدف إلى التشكيك في صحة حكمهم في قضية "الصوت الواحد" في يونيو 2013، وهذا الحكم يتعلق مباشرة بقرارات سمو الأمير، فكيف تطلب من "المستفيد" من هذا الحكم التحقيق في أدلة تدينه وتدين قضاته!؟ بل كيف تثق في أن من لديه 17 مليار كاش، ونجح في رشوة نواب مجلس أمة، وقضاة، وإعلاميين، و"حزب الله"، و"إيران"، و"حزب الليكود" الإسرائيلي، أن لا يتمكن من رشوة هذه الشركة الأمريكية التي ستحقق في هذه المستندات!!؟

ثم يطلب البراك من جماهيره العودة إلى الأشهر السابقة واللاحقة للتحويلات (أبريل 2013) للتأكد من أسبابها المرتبطة بأحكام السُلطة القضائية، وقد عدت شخصيا إلى الأرشيف لأجد بأن هذه الفترة شهدت أحكام قضائية لصالح "الحراك" و"المعارضة" بنفس درجة الأحكام المضادة، وهذه عينة منها:


عالم اليوم 22 مايو 2013

 القبس 28 مايو 2013

 القبس 7 مارس 2013

الوطن 17 مايو 2013


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، إذا كان القضاء فاسداً، والقضاة يتلقون الرشاوى لإصدار أحكامهم لصالح الطرف الراشي كما يدعي البراك، فما الذي يجعلنا نطمئن إلى أن الأحكام التي صدرت لصالحه ولصالح "الحراك" لم تكن مدفوعة الأجر!؟

أقول ما أقوله هنا وأنا أكرر للمرة الثالثة بأنني لا أنزه أي طرف من الأطراف، ولن أتفاجأ لو كشفت الأيام عن صحة ما جاء في "الشريط" وصحة مستندات "التحويلات المليارية"، لكن ما تم عرضه حتى الآن من شريط ومستندات لا يرقى إلى مستوى القيام بـ"ردود الأفعال" واتخاذ "مواقف"، وهذا يشككنا في الفاضح قبل المفضوح، خاصة وأن الفهد والبراك لم يكشفا عن مصدر "الشريط" و"المستندات"، فلو كان الشيخ أحمد الفهد هو المسؤول عن التجسس على الشيخ ناصر المحمد وهو من سجّل الشريط، ألا يثير ذلك الشكوك حول الفهد؟ ألا يجعلنا ذلك نتساءل عن الثمن الذي دفعه للحصول على هذه التسجيلات!؟

وفي حال الإجابة بأن هذه التسجيلات وصلته من أجهزة استخبارات "أجنبية"، ألن نشك في العلاقة التي تربط بين الشيخ أحمد وهذه الأجهزة الاستخباراتية؟ ولماذا يتجسس جهاز استخبارات أجنبي على الشيخ ناصر؟ ولماذا يسلم التسجيلات إلى الشيخ أحمد الذي هو بالمصادفة خصم علني للشيخ ناصر ولا يسلمها إلى سمو الأمير أو وزير الخارجية أو الأجهزة الأمنية!؟

ويتكرر هذا التساؤل مع مسلم البراك، فما هو الثمن الذي دفعه البراك أو من يدعمه مقابل الحصول على كشوفات حساب الشيخ ناصر وابنه في البنك البريطاني!؟ ولو قال البراك بأن المستندات وصلته عن طريق فاعل خير، ألا يثير الريبة وجود "فاعل خير" يتمكن من الحصول على كشوفات لحسابات بنكية في بنوك بريطانية!؟ ولماذا يختار مسلم البراك الذي هو خصم علني للشيخ ناصر لـ يسلمه هذه المستندات؟

كل هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة حتى نتمكن من التأكد أولاً من صحة هذه المعلومات، ومن ثم نتخذ مواقفنا منها، أما ما يحصل حالياً فهو طرف يسرقنا.. وطرف يستحمرنا!! ولا أعتقد أن هناك عاقل يقبل بأن يصبح مطيّة لهذا الطرف أو ذاك.

   


[1] الوطن الكويتية، 24-8-2012.
[2] يقول الشيخ أحمد في إنذاره لرئيس الوزراء: "ان مسار الأمور سوف يجري للتستر على ما حوته التسجيلات بعد أن لم يتم استدعائي للاستماع لإفادتي من قبل سمو الرئيس بعد فحص الأشرطة".
الوطن الكويتية، 3-6-2014
[3] نشرت جريدة السياسة الكويتية (المحسوبة على معسكر الشيخ ناصر) تفاصيل ما سيقوله مسلم البراك قبل يومين من موعد التجمع، وهذا يُظهر بأن معسكر المعارضة مُخترق.

Saturday, May 31, 2014

ثمانية سنوات


&

Salma 

is

8


لم أتمكن من معرفة صاحب القصيدة وكتبتها بتصرف

Wednesday, May 14, 2014

شطب الاستجواب.. واستقالة الشطب!!

  
لا أخفي عليكم بأنني أشعر بالخجل والعار بسبب غيابي المتعمد عن الكتابة بشكل عام، وعن هذه المدونة بشكل خاص، وربما كان السبب في ذلك الإرهاق الذي أصابني بعد نشر الكتاب والتشبع من مراقبة الشأن المحلي، وأعترف هنا بأن الكثير من الأحداث السياسية المحلية والإقليمية والدولية الأخيرة تستحق المراقبة والتعليق والتحليل، وهذا ما سأحاول القيام به في الفترة القادمة على قدر المستطاع.

ومن بين كل القضايا الأخيرة، وجدت نفسي تهوى كتابة هذا المقال حول قضية تصويت مجلس الأمة على شطب الاستجواب الثلاثي (العدساني، الكندري، القويعان) وبالتالي استقالة هؤلاء النواب بالإضافة إلى النائبين علي الراشد وصفاء الهاشم، وما تلى ذلك من تراشق إعلامي بين المستقيلين ورئيس المجلس المتهم بمحاباة رئيس الحكومة وتعطيل حق النواب بممارسة حقهم بالاستجواب.

أعتقد أن هذه القضية تستحق النقاش الموضوعي والفلسفي بعيداً عن التشنج والمزايدات المصاحبة لمباريات كرة القدم، فالقضية هنا تنقسم إلى شقين سياسي ودستوري، وربما يتقاطع الشقّان في بعض نواحيها، وفي البداية علينا التنبه إلى أن منصب رئيس مجلس الأمة يُحمِّل صاحبه مسؤوليات أكبر من المسؤوليات التقليدية لأعضاء مجلس الأمة والتي تتلخص بالمراقبة والتشريع.

فعضو مجلس الأمة يتم انتخابه من القواعد الشعبية فقط، أما رئيس المجلس فتشارك الحكومة في انتخابه لهذا المنصب، وبذلك عليه أن يراعي مصالح ناخبيه من النواب والوزراء على حد سواء، أما المعيار الرئيسي لهذه المراعاة فهو الالتزام بمواد الدستور وتفسيراته، ويمكنني القول هنا بأن المهام المضافة لرئيس مجلس الأمة تنحصر في نقطتين أولها لعب دور المايسترو[1] في العلاقة بين الحكومة والمجلس فيما يضمن استمرار عمل المجلس دون الوصول إلى "نهايات مغلقة"[2]، خاصة وأن رئيس المجلس هو الأقدر على استشفاف التوجهات العامة لرئيس الدولة من خلال لقاءه الأسبوعي بسمو الأمير.

أما الدور الثاني لرئيس المجلس فهو إدارة جلسات المجلس حسب اللائحة والقوانين بما يضمن حصول كل طرف على حقه وأدائه لواجباته الدستورية، ومن الخطأ هنا الاعتقاد بأن على الرئيس ممارسة الحياد وعدم الانحياز في التعامل بين نواب مجلس الأمة فقط، فعليه أيضا ممارسة الحياد وعدم الانحياز بين الحكومة والمجلس.

وللحكم بشكل أفضل على أداء رئيس مجلس الأمة الحالي النائب مرزوق الغانم مع هتين الوظيفتين، علينا مقارنته بالمدارس الرئاسية السابقة وأبرزها مدرسة رئيس مجلس الأمة السابق جاسم الخرافي الملقب بـ"الإطفائي" والمعروف بانحيازه نحو الحكومة، ومدرسة رئيس مجلس الأمة السابق أحمد السعدون والمعروف بزعامته للمعارضة السياسية، وتشدده المفرط مع الحكومة، وانحيازه نحو حقوق أعضاء مجلس الأمة.

وبالعودة إلى مسؤولية رئيس المجلس في الحفاظ على "استمرارية مجلسه"، نجد بأن النائب أحمد السعدون ومن خلال زعامته لكتلة "العمل الشعبي" وكتلة "الأغلبية" في المجلس المبطل الأول لعب دوراً تنسيقياً في فرملة تقديم النائب عبيد الوسمي لاستجوابه المبكر لرئيس الوزراء على خلفية قضية حبس مقتحمي قناة "الوطن"، أيضاً تصرفت الكتلة بمرونة مع رفض الحكومة لدمج الاستجواب المقدم من النائب عبيد الوسمي بالاستجواب الآخر المقدم لوزير المالية مصطفى الشمالي، وبذلك أظهر رئيس المجلس أحمد السعدون حرصه على اسمترارية مجلسه.






أما رئيس مجلس الأمة المبطل الثاني علي الراشد، فقد لعب دوراً مشابهاً لضمان "اسمترارية مجلسه" من خلال سماحه بالتصويت على تأجيل الاستجوابات إلى دور الانعقاد المقبل، وربما تكون الأدوار التي مارسها الخرافي في هذا المجال أكثر من أن تذكر في هذا المقال.





وبالعودة إلى القضية الحالية، نجد أن استجواب الثلاثي (العدساني، الكندري، القويعان) مشابه إلى حد كبير الاستجواب المقدم من النواب أحمد السعدون وعبدالرحمن العنجري إلى رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد والذي كان يشتمل على قضايا متنوعة[3]، مما سهّل على الحكومة طلب تحويله إلى المحكمة الدستورية، التي أنهت بدورها الجدل القائم حول هذه المسألة في حكم قالت فيه:


"اختصاص رئيس مجلس الوزراء على رئاسة المجلس والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة فإن مسؤوليته السياسية عن ذلك لا تتسع لشمول أي أعمال تخص وزارات بعينها، وإن المسؤول عنها كل وزير يحمل حقيبتها.

باعتبار أن الأصل العام في المسؤولية السياسية أنها تقع بصفة أساسية على عاتق الوزراء فرادى، بخلاف المسؤولية التضامنية لرئيس مجلس الوزراء والوزراء عن السياسة العامة للدولة التي تكون أمام الأمير".

"إن كل استجواب يُراد توجيهه لرئيس مجلس الوزراء، ينحصر نطاقه في مجال ضيق، وهو في حدود اختصاصه، في السياسة العامة للحكومة.

باعتبار ان رئيس مجلس الوزراء هو الذي يتكلم باسم مجلس الوزراء، ويدافع عن هذه السياسة أمام مجلس الأمة، دون أن يتعدى ذلك إلى استجوابه عن أي أعمال تنفيذية تختص بها وزارات بعينها، أو أي عمل لوزير في وزارته.

وإلا أصبحت جميع الأعمال التي تختص بها الوزارات المختلفة محلاً لاستجواب رئيس مجلس الوزراء عنها، وهو ما يتعارض مع صريح حكم الدستور، ويفضي إلى سيل جارف من استجوابات لرئيس مجلس الوزراء، وفي ذلك ما فيه من عظيم الخطر بتعطيل الأعمال من غير حد ولا ضابط.

وإذا كان الدستور قد خوَّل لعضو مجلس الأمة هذا الحق فإنه ليس معناه أن يتصرف كما يشاء أو يهوى، إذ أن الواقع أنه مقيد بالمصلحة العامة وحُسن الاستعمال".

"فلهذه الأسباب، قررت المحكمة:
أولاً: ان كل استجواب يراد توجيهه إلى رئيس مجلس الوزراء، ينحصر نطاقه في حدود اختصاصه، في السياسة العامة للحكومة، دون أن يتعدى ذلك إلى استجوابه عن أي أعمال تنفيذية تختص بها وزارات بعينها أو أي عمل لوزير في وزارته.

ثانيا: ان المسؤولية السياسية لدى مجلس الأمة إنما تقع على الوزراء فرادى.

ثالثا: ان استعمال عضو مجلس الأمة لحقه في استجواب رئيس مجلس الوزراء فيما يدخل في اختصاصه، منوط بأن تكون السياسة العامة للحكومة المراد استجوابه فيها، قائمة ومستمرة".



وبذلك، يكون الخرافي، المعروف بانحيازه للحكومة، قد ضرب عصفورين بحجر، فالعصفور الأول هو إيقاف ممارسات النواب اللا دستورية بتقديم استجوابات كوكتيلية إلى رئيس الوزراء، والثاني هو استصدار أمر الإيقاف من جهة ثالثة محايدة وهي المحكمة الدستورية، فمنع بذلك اتهامه بمحاباة الحكومة وتعطيل الدستور.

لكن هذا السلوك ينطبق على مدرسة جاسم الخرافي القريب من الحكم والحكومة، فماذا عن مدرسة زعيم المعارضة أحمد السعدون؟

يجنح السعدون عادة نحو الوقوف إلى جانب النائب بشكل خاص، ومجلس الأمة بشكل عام، حتى وإن شابت ممارسات النائب والمجلس شبهات دستورية، ونستشهد هنا باستجواب عضو "الأغلبية" النائب صيفي مبارك الصيفي لوزير الشؤون أحمد الرجيب، حيث أعلن النائب بأنه يستجوب الوزير على أعماله السابقة في وزارة الداخلية!! وهذا بالطبع مخالف للدستور، إلا أن السعدون سمح بمرور هذا الاستجواب الذي أدى إلى استقالة الوزير.



لكن السعدون لا ينحاز دائماً إلى النائب المُستجوِب، ففي استجواب النائب محمد الجويهل لوزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود أعطى السعدون للمجلس الحق في التصويت على إزالة لوحة وضعها المُستجوِب عليها عبارة "الكويت للكويتيين فقط"!!

أيضاً أعطى السعدون الحق للمجلس في التصويت على إزالة الأعلام السوداء التي وضعها مجموعة من النواب اعتراضاً على تغيير مكتب المجلس لبلاغ قضية "الاقتحام".




وبذلك يمكننا الحكم بأن انحياز السعدون إلى حق النائب في التعبير عن رأيه نسبي، وهو يعطي لنفسه كرئيس مجلس أمة سلطة "تقديرية" تخوله للوقوف إلى جانب النائب حيناً، وضده حيناً آخر، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل سماح رئيس مجلس الأمة الحالي مرزوق الغانم للمجلس بالتصويت على شطب استجواب النواب الثلاثة يدخل تحت مظلة هذه "السلطة التقديرية"؟

للإجابة على هذا السؤال علينا العودة إلى استجواب النائب رياض العدساني الأول بعد يومين على بداية دور الانعقاد، ففي ذلك الاستجواب حقن العدساني محوريه بأكثر من عشرين قضية فنية تعود المسؤولية المباشرة عنها إلى وزراء مختصين، وقد واجه الغانم فخ عدم دستورية هذه القضايا بإعطاء المجلس الحق في التصويت على شطب محوري الاستجواب والاكتفاء بمقدمته.

فما كان من العدساني إلا سحب الاستجواب وإعادة تقديم مقدمته بلا محاور، فتم نقاشها في المجلس الذي لم يتطوع أي نائب فيه بالحديث مؤيداً لهذا الاستجواب، وهذا ما يُظهر تواضع القدرات السياسية للعدساني الذي قدم استجواب فاشل على جميع الأصعدة، فالتوقيت غير مناسب، والمحاور غير دستورية، وفشل في إقناع نائب واحد من الـ 47 نائب للحديث مؤيداً للاستجواب.




وباستعراض قضايا استجواب العدساني الأول نجد الآتي:

المقدمة
فضفضة + عموميات + تحلطم
المحور الأول
1-    القضية الإسكانية – وزير الإسكان
المحور الثاني
2-    مدركات الفساد – عمومي
3-    انتشار الرشوة – عمومي
4-    الغش التجاري – وزير التجارة
5-    تدهور الرعاية الصحية – وزير الصحة
6-    الأغذية الفاسدة والمسرطنة – وزير الصحة والبلدية
7-    ارتفاع نسبة السرطان في الكويت – وزير الصحة وعمومي
8-    غلاء التعليم في القطاع الخاص – وزير التربية والتعليم
9-    تدهور التعليم في القطاع الحكومي – وزير التربية والتعليم
10-                     فشل خطة التنمية – عمومي
11-                     هروب رؤوس الأموال الكويتية إلى الخارج – عمومي
12-                     ارتفاع نسبة المسرحين من القطاع الخاص – عمومي
13-                     عرقلة الشباب في انشاء المشاريع – وزير التجارة وعمومي
14-                     غلاء الأسعار – وزير التجارة
15-                     عدم تفعيل قانون كسر الاحتكار – وزير التجارة
16-                     تجاوزات محطة الزور – وزير الكهرباء
17-                     تجارة الإقامات – وزير الشؤون
18-                     تعطيل افتتاح استاد جابر – وزير الشؤون
19-                     انحدار وخسارة الخطوط الجوية الكويتية – وزير المواصلات
20-                     مطار الكويت الدولي – وزير المواصلات
21-                     خسائر الهيئة العامة للاستثمار – وزير المالية
22-                     خسائر المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية – وزير المالية
23-                     إبطال مجلس الأمة – مجلس الوزراء
24-                     غرامة الداو كيميكال – وزير النفط

وبالعودة إلى دراساتي السابقة لتاريخ الكويت السياسي يمكنني الحكم بأن حشو الاستجواب بأكبر قدر ممكن من القضايا يدل في العادة على ضعف القضية الرئيسية للاستجواب وعدم جدية النائب المُستجوِب في حل القضايا المطروحة، حيث أنه يهدف إلى إحراج الوزير بأكبر قدر ممكن من الاختلالات التي تعانيها وزارته بغض النظر عن عمقها وتعقيداتها فقط لإظهار عجزه، أيضاً تهدف هذه الاستراتيجية إلى إحراج العدد الأكبر من النواب وسحب تأييدهم للاستجواب وهذا ما فشل العدساني في تحقيقه.

أما المفاجأة فجاءت بعدم اعتبار النائب رياض العدساني من تجربته الأولى، فلم يتعامل بحرص أكبر مع استجوابه الثاني الذي قدمه بالتعاون مع النائب عبدالكريم الكندري والنائب حسين القويعان، فكرر من خلاله طرح سبعة قضايا سبق أن طرحها في استجوابه الأول الذي صوت المجلس سابقاً على شطب محاوره، مع إضافة قضايا جديدة ضعيفة باستثناء القضية الرئيسية للاستجواب وهي تسلم النائب عبدالله التميمي لأموال من رئيس الوزراء.

الاستجواب الثاني للعدساني (الكندري + القويعان):

1-    أزمة الإسكان وغلاء الأسعار – وزير الإسكان (مكرر)
2-    المسرحين من القطاع الخاص – عمومي (مكرر)
3-    الشؤون الصحية – وزير الصحة (مكرر)
4-    الأغذية الفاسدة – وزير الصحة والبلدية (مكرر)
5-    تجاوزات محطة الزور – وزير الكهرباء (مكرر)
6-    خسائر الهيئة العامة للاستثمار – وزير المالية (مكرر)
7-    خسائر المؤسسة العامة للتأمينات – وزير المالية (مكرر)
8-    تعطيل المبادرة الشبابية (المثلث الذهبي) – عمومعي (جديد)
9-    التلوث البيئي – عمومي (جديد)
10-                     التضييق على الحريات والإساءة إلى سمعة الكويت – وزير الإعلام (جديد)
11-                     تقديم أموال لنواب – رئيس الوزراء (جديد)
12-                     علاوة الأولاد – !! (جديد)
13-                     الإحالة الجبرية للتقاعد – عمومي (جديد)

وقد حشر المستجوبون كل هذه القضايا في محور واحد، وهذا ما وضع المجلس ورئيسه في مأزق، فإما التصويت للمرة الثانية على شطب هذه القضايا وبالتالي شطب الاستجواب برمته[4]، أو التراجع أمام الاستجواب وترك مهمة إسقاطه للجنة التشريعية أو المحكمة الدستورية، وهذا الخيار هو الأسلم سياسياً لكنه قد يتسبب استنزاف طاقات اللجنة التشريعية والمحكمة الدستورية التي ستعيد المرة تلو الأخرى تكرار حكمها السابق بـ"اختصاص رئيس مجلس الوزراء على رئاسة المجلس والإشراف على تنسيق الأعمال بين الوزارات المختلفة فإن مسؤوليته السياسية عن ذلك لا تتسع لشمول أي أعمال تخص وزارات بعينها، وإن المسؤول عنها كل وزير يحمل حقيبتها".

وبذلك فضّل رئيس مجلس الأمة تفعيل "سلطته التقديرية" والسماح للمجلس بالتصويت على شطب الاستجواب كاملاً لعدم دستورية محوره الوحيد، وبذلك لم يتبع المدرسة الخرافية بالتحويل للدستورية، ولم يتبع المدرسة السعدونية بالقبول بالممارسات غير الدستورية، لكنه انحاز إلى حكم الدستور والمحكمة الدستورية مما جعل المستجوبون يتقدمون باستقالاتهم من المجلس، ثم تبعهم النواب علي الراشد وصفاء الهاشم بالاستقالة، وهذه ردة فعل متوقعة من خلال دراسة مواقفهم السابقة اتجاه المجلس ورئيسه ورئيس الوزراء.



وأعتقد شخصيا بأن هذه المناورة السياسية تتعلق بتوازنات أعمق وأبعد من الاستجواب ومحاوره، وهي مرتبطة بترتيبات مرحلة حكم الشيخ نواف الأحمد الصباح التي نشاهدها اليوم من خلال تحركات المعارضة وطرح قضية "الشريط" التي أفضل النأي بالنفس عن الدخول فيها في هذه المرحلة.



[1] Facilitator منسق عام.
[2] Dead Ends.
[3] يستجوب النواب رئيس الوزراء بناء على المواد 100 و123 و127 من الدستور والتي تنص على:
المادة 100
لكل عضو من اعضاء مجلس الامة ان يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء والى الوزراء استجوابات عن الامور الداخلة في اختصاصاتهم. ولا تجري المناقشة في الاستجواب الا بعد ثمانية ايام على الاقل من يوم تقديمه، وذلك في غير حالة الاستعجال وموافقة الوزير. وبمراعاة حكم المادتين 101 و 102 من الدستور يجوز ان يؤدي الاستجواب إلى طرح موضوع الثقة على المجلس.
المادة 123
يهيمن مجلس الوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الادارات الحكومية.
المادة 127
يتولى رئيس مجلس الوزراء رياسة جلسات المجلس والاشراف على تنسيق الاعمال بين الوزارات المختلفة.

[4] بسبب تكون الاستجواب من محور واحد.