.
.
.بعد شرح أسباب قناعتنا الشخصية بضرورة اعادة انتشار القيم الليبرالية في المجتمع و التطرق الى أهم العقبات التي تواجه هذا الهدف سنخصص هذه المقالة لطرح بعض الاقتراحات التي أعلم أنها لن تكون الحل السحري للمشكلة , و لكن أتمنى أن تكون خطوة على بداية الطريق , و المجال بالطبع مفتوح لاقتراحات كل مهتم بالموضوع
سأحاول هنا معالجة المشاكل التي طرحتها في الموضوع السابق فقط , مع عدم حصر مشاكل الفكر الليبرالي بها , هنا سأكتب المشكلة و الحقها باقتراحاتي , مع العلم انني سأقسم هذا الموضوع الى جزئين
.
.
المشكلة الأولى اتساع الفجوة بين المباديء العالمية الرئيسية للليبرالية و التطبيق الكويتي لها
.
.
أنا شخصيا لا أعترض على عملية تكويت الليبرالية أو أي منهج فكري آخر , فمن حق أي مجتمع أن يُطوع الأفكار بشكل تتناسب فيه مع بيئته و ثقافته المحلية , لكن علينا أن نقوم بهذه العملية بأمانة و صدق بحيث نحفظ قِيم هذا المنهج الفكري و لا نفرغه من محتواه
و أول خطوة في هذه العملية تتم عبر استعراض القيم الأساسية للفكر الليبرالي , ثم معرفة سلبيات و ايجابيات كل قيمة من هذه القيم , و من بعد ذلك نستطيع اختيار ما يناسبنا و لا يناسبنا منها , و بهذه الطريقة ستكون الصورة أوضح امامنا و نستطيع من خلالها تطويع القيم التي نعتقد انها لا تناسبنا و نشكلها بطريقة تصلح لنا
الخطوة الثانية بالطبع هي الايمان بهذه القيم و ممارستها بالشكل الصحيح في حياتنا اليومية حتى نكون قدوة للآخرين فيها , أعرف أن الزين ما يكمل و لكن على الأقل لنحاول أن نقدم أفضل ما لدينا , لنحاول أن نُبيّن للآخرين سبب ايماننا بالفكر الليبرالي و ما كسبناه على المستوى الانساني نتيجة ممارستنا لهذه القيم , لنجعل الآخرين يتلمسون احترامنا الفعلي لحقهم في الفكر و حقهم في الاختيار , و نبين احترامنا لأفكارهم حتى و ان اختلفنا معهم , لنمارس عملية الاغتسال النفسي عبر معاملة الناس سواسية , و عدم تفضيل شخص على آخر سواء من ناحية الدين أو العِرق أو اللون أو الجنس , خصوصا و نحن نتعامل مع الفئات المستضعفة
إصدق مع نفسك , يصدقك الناس
.
.
المشكلة الثانية تغليب الخلافات التفصيلية على الاتفاقات العامة
.
.
أعتقد أن أهم ما يميز الفكر الليبرالي عن الفكر الديني هو مساحة الحرية الكبيرة للتفكير و الاختيار , و هذا بالطبع جعلنا نقع في مأزق عدم وجود تعريف رسمي واحد للليبرالية , أيضا عنصر الحرية التامة أدخلنا في مأزق آخر و هو حرية كل شخص بممارسة الليبرالية بطريقته الخاصة , و هذا ما جعل المناهج الليبرالية تتعدد بتعدد المؤمنين فيها , فالفكر الليبرالي لا يحتمل ثقافة التلقين العامودي المزدهرة في الأوساط الثقافية الدينية , فالليبرالية ليس فيها مفتي أو مرجع أو إمام يحدد لأتباعه السراط المستقيم و يفرقها عن البدع و الضلالة
بالطبع هذا الانفتاح الكبير ساهم في تنوع الفكر الليبرالي و لكنه في نفس الوقت فتح مجال الاختلافات بين المفكرين الليبراليين , و مع كثرة هذه الاختلافات يتحول بعضها الى خلافات , و من خلافات فكرية تحول بعضها الى خلافات شخصية , و بالطبع تحولت هذه الخلافات الشخصية الى حروب عسكرية سياسية يطعن فيها كل طرف بالطرف الآخر , و المشكلة الأكبر أن المختلفين يتناسون الاتفاقات العامة بينهم و يتفرغون لعرض خلافاتهم التفصيلية على صفحات الجرائد و وسائل الاعلام الأخرى
بالطبع أنا لا أدعو هنا الى طمطمة الخلافات و دفنها تحت السجاد , لكنني أدعو الى الاختلاف مع مراعاة أننا متفقون على الخطوط العريضة و عدم شخصنة هذه الخلافات و حشر الشباب فيها لينتهي بنا الأمر الى تقسيم أنفسنا الى شلة فلان و مجموعة فلنتان , لنتذكر مرة أخرى أحد أهم قيم الليبرالية و هو احترام الرأي الآخر
الخلافات على التفاصيل ستكون موجودة , و ستزداد بطبيعة الحال في مواسم الانتخابات أو في تفسير القضايا الشعبية , الا أنها يجب ان تقف عند هذا الحد , و لا تتعداه لتكون نقطة نهاية للاحترام و التعاون المشترك في المستقبل
.
.
المشكلة الثالثة فشل الفكر الليبرالي في اجتذاب شرائح كبيرة من المجتمع
.
.
لنعترف في البداية أن المجتمع الكويتي – الصغير – مبتلى بمرض مزمن و هو هوس التقسيمات العِرقية , و لنعترف أيضا أن اهمال الأطباء معالجة هذا المرض أدت الى استفحاله و انتقال أعراضه الى الجميع , بمن فيهم أشد المتمسكين بمباديء الوحدة الوطنية , فكثرة الدق تفك اللحام
و قد ابتلينا في الكويت بأحد اغبى هذه التقسيمات و هو فرز المواطنين الى فئة البدو – أبناء القبائل – و الحضر , و ساهمت الكثير من التراكمات الاجتماعية و التاريخية و الاعلامية – و السياسية – الى ترسيخ روح العداء و عدم الثقة بين الفريقين , طبعا ترويج هذه الفكرة و ازدهارها لم يكن اعتباطا أو استعباطا , فهناك الكثير من المستفيدين و المسترزقين من هذه التفرقة
و وسط هذه الحالة الواضحة من عدم الثقة و كن الحقد اتجاه الآخرين بالاضافة الى فوضى الالقاب و المسميات تشكلت أمامنا خطوط سلوكية تتحكم في اتباع الفريقين , فالبدو يشعرون بالظلم مقارنة بالحضر , و الحضر ينظرون للبدو كـ طاريء يهدد كيان الدولة , و لكل طرف عشرات الأمثلة التي تؤيد وجهة نظره اتجاه الطرف الآخر
و بما أن أغلب الليبراليين المتكوتين ينتمون الى فئة الحضر , فقد أصبحت السمة العامة هي أن الليبراية ضد البدو و غير صالحة لهم , و قد اقتنع الفريقين بهذه الفكرة , فلا الليبراليين حاولوا ايصال الليبرالية لأبناء القبائل و توضيح مميزاتها لهم , و لا أبناء القبائل حاولوا مناقشة الأفكار الليبرالية و فحص ما لها و ما عليها
و للأمانة التاريخية أعترف أمامكم بأني فكرت كثيرا في هذا الوضع و الحلول المتوقعة له الا أنني شخصيا لم اقتنع بأفكاري و أحسست أنها لن تكون واقعية , فالشق عود و الكلام الانشائي لن ينفع للتقدم خطوة الى الأمام , لكن علينا كمصلحين أن نعمل بالحكمة القائلة أن تشعل شمعة خيرا من أن تلعن الظلام , لذلك أعتقد بأن علينا كـ ليبراليين أن نبادر للتعمق في الجسد القبلي و فهمه على حقيقته و واقعه بما فيه من ايجابيات و سلبيات , أيضا علينا البحث عن آذان تصغي لنا في هذا الجسد , لتكون البذرة التي ستنمو و تصبح شجرة المستقبل
أكرر مرة أخرى بأن موضوع فرز المواطنين الى بدو و حضر و من ثم تقسيم كل منهما الى أقسام أصغر يحتاج الى وقفة جادة و كتابة متعمقة قد نقوم بها في المستقبل , أما اليوم فالصورة لا تبشر بخير , و ؤأكد هنا بأنني أتكلم عن الطرفين و ليس طرف واحد
يتبع