Friday, October 22, 2010

ضاعت دولة المؤسسات , بين ثقافة القبيلة و الشِيخة

في البداية أود الإعتذار لقراء المدونة على كسلي المفرط في الكتابة منذ رمضان الماضي و ذلك لعدة أسباب , أهمها السفر و المرض , للأسف حالتي الصحية تدهورت كثيراً خلال الأسابيع السابقة , أشعر بضعف شديد و مزاج سيء يمنعني من الكتابة الجادة التي تحتاج الى صفاء بال و تركيز على الكلمات و الأفكار , على العموم , سأعتبر هذا الموضوع محاولة مني للعودة الى الساحة
.
أعتقد أن الغالبية تابعت تطورات حرب البسوس بين آل السعيد و آل المالك الكرام على خلفية إتهام موجه من وزارة الإعلام الى مديرة قناة سكوب السيدة فجر السعيد , بالنسبة لي ما حصل يُعتبر مصيبة كبرى لكنها في الأساس تفرعت من أربع مصائب صُغرى , و سأحاول هنا تحديد هذه المصائب حتى يسهل علينا تحليل و هضم ما حصل
.
أعتقد أن المصيبة الأولى تنطلق من قانون المطبوعات - أو المرئي و المسموع - الجديد الذي توسّع كثيراً في مساحة المحضورات التي شملت المساس بالذات الإلهية و الرسل و الملائكة و الصحابة و أهل البيت و زوجات النبي و العقيدة الإسلامية و أحكام الشريعة و غيرها من العنوانين التي تصب أغلبها في قالب المناطق الرمادية , فالمشرع كان كريماً جدا في في سرد المحظورات إلا أنه لم يجد 5 دقائق إضافية لتوضيح معنى كلمة مساس , أو ما هو الحد الفاصل بين النقد المباح و المساس المُجرّم ؟ و الأهم من له الحق في تحديد ما هو النقد و ما هو المساس ؟ و كيف سيناقش الناس مسائل دينهم و دنياهم من غير نقد و مناقشة أفعال الرسول و الصحابة التي بُنيَت عليها الشريعة الإسلامية ؟ آسف لقد نسيت بأن المساس – أيضا – بالشريعة و الاحكام الإسلامية مُجرّم في هذا القانون , و هنا تكمن المشكلة
.
عندما تزداد مساحة المناطق الرمادية ما بين المساس و النقد و المناقشة تتقهقر مساحة الكتابة الجيدة لأن الكاتب أو صاحب المادة الإعلامية الجيدة سيقضي جُل وقته في تمحيص مدى تعارض فكرته مع القانون أو عدمه بدلاً من التفكير في جودة الفكرة كـ عنصر مستقل , و في نهاية الأمر هو لن يتمكن من الإطمئنان التام لأن تطبيق القانون الرمادي يعتمد بشكل أساسي على مزاج أو إنتقائية المسؤول عن تطبيقه , و هذا ما جعل آلاف مؤلفة من الإساءات الإعلامية تمر من دون حساب بينما تصيب سهام الإنتقائية برنامج صوتك وصل لصاحبته فجر السعيد , و انا هنا لا أدافع عن البرنامج , لكني رأيت على قناة سكوب و غيرها من القنوات المئات من الإساءات الأشنع إتجاه الكويت و الدول الصديقة و التي مرت بردا و سلاماً على مزاج وزارة الإعلام
.
أما المصيبة الثانية فهي إقتداء وزير الإعلام و وكيل وزارته الشيخ فيصل المالك بخطوات جهاز أمن الدولة في إسترخاص توزيع تهمة قلب طاسة نظام الحكم على كل من هب و دب , فهذه نفس التهمة الملصقة بالتأبين و بـ الطاحوس و بـ محمد الجاسم و بـ ضيف الله بو رمية و أخيراً و ليس آخراً ببرنامج صوتك وصل لصاحبته الرفيقة فجر بنت عثمان السعيد
.
و السؤال هنا هل لدينا في الكويت كل هذا العدد من الإنقلابيون الذين يخططون للإنقلاب على نظام الحكم ؟ هل هناك شرائح واسعة من المجتمع تنوي فعلا سلب الحكم من أهله ؟ أم أن طاسة نظام الحكم أصبحت هزيلة الى الدرجة التي تقلبها مقالة أو مسلسل تلفزيوني؟ إعتدنا على هذه التهمة من العقلية الأمنية في أمن الدولة لكن أن تقتدي فيها وزارة الإعلام فهذه مصيبة
.
و جاء رد شقيق المتهمة بقلب نظام الحكم على إتهام شقيقته بهذا الشكل الكارثي
.




.

و أعتقد أن رد طلال السعيد على إتهام شقيقته بحد ذاته ينقسم الى عشرين مصيبة تبدأ أولها في بداية توجيهه لهمسة الى وكيل وزارة الإعلام بصفته الشخصية لا الوظيفية , فما شأن التهمة الموجهة للقناة بـ شِيخة فيصل المالك و جوازه سفره و مستحقاته المالية و علاقة أخيه برئيس الوزراء ؟ أين دولة المؤسسات يا زول ؟ أعتقد أن في هذه اللحظة بدأ الفلتان السعيدي و الذي يجب أن يُحاسب عليه , فالخلاف بين قناة سكوب و وزارة الإعلام , و ليس لك الحق في إقحام الديوان الأميري و رئيس الوزراء و أصدقائه في الموضوع
.
ثم تأتي المصيبة الأكبر في منتصف الفيديو عندما يتساءل السعيد و يقول
.
منهو إللي جِدانه حاولوا قلب نظام الحكم لصالحهم ؟
.
منهو اللي ورث عن أجداده التحريض على قلب نظام الحكم ؟
.
هنا أعتقد أن علينا الوقوف قليلاً أمام ما يحدث , فمن الواضح أمامي بأن المجتمع الكويتي و بالرغم من إنتقاله الى دولة الدستور و المؤسسات قبل ما يقارب الخمسين سنة إلا أن الثقافة القبلية أو البطريكية لا تزال مسيطرة على أفراد هذا المجتمع , و أنا عندما أصف الثقافة القبلية لا اتحدث بالضرور عن أبناء القبائل , فهذه الثقافة متغلغلة في كافة فئات المجتمع من حضر و بدو و سنة و شيعة , الكُل هنا يعتقد أنه إنسان متمدن لكنه في الحقيقة قبلي حتى النخاع
.
ففي الثقافة القبلية تنحسر مساحة الفرد و خياراته الفردية أمام مساحة الحضور العام للقبيلة بكل ما تشكله من أهداف و مصالح , و ذلك ما يجعل الفرد يعيش حياته كـ جزء من كل و ليس كـ فرد مستقل في خياراته و مسؤولياته عن هذه الخيارات , فالفرد الجيد مُلام على الأفعال السلبية للقبيلة , و التاريخ المشرف للقبيلة يغسل أفعال أفرادها السيئة , هنا أصبحت التهمة الموجهة الى العمل الفني صوتك وصل تهمة شخصية لمؤلفة العمل فجر السعيد , و اصبحت التهمة الموجهة لفجر السعيد تهمة مباشرة لـ آل السعيد كـ عائلة او قبيلة , لذلك – فزع – شقيقها طلال السعيد للدفاع عن فجر كـ فرد من أفراد القبيلة ستصيب سيئته جميع أفراد العائلة , لذلك فمن واجب جميع أفراد العائلة – الأموات و الأحياء - الدفاع عنه
.
و هذا ما جعله لا يدافع عن شقيقته او عن نفسه بما قدموه كـ أفراد للمجتمع الكويتي , لكنه عاد الى التاريخ ليستحضر ما قدمه آباءه و أجداده – البُعد القبلي – من أعمال مشرفة من وجهة نظره , بل أنه لم يهاجم خصمه شخصيا أو يهاجم عمله الفردي , لكنه هاجم أو إستهزأ بأجداد الخصم من خلال ذكر موقفهم في أحد الحوادث التاريخية التي مضى عليها أكثر من خمسين سنة , إلا أن ما غاب عن ذهنه هو أن أحفاد هؤلاء أكثر بكثير من خصمه الحالي وكيل وزارة الإعلام .
و بهذا جاء رد هؤلاء الأحفاد على من أساء لأجدادهم بالهجوم على مقر القناة و تكسير الأجهزة و المعدات الموجودة , و بالرغم من الإستنكار العام لهذا الأسلوب الهمجي في الرد , إلا أنني أشعر بوجود تقبل عام لردة الفعل عند الكثير من خصوم قناة سكوب , بل أنني شخصيا توقعت حدوث ردود افعال مشابهة في الكثير من المناسبات السابقة التي كان أبطالها مذيعين هذه القناة أو ضيوفهم كـ محمد جويهل و نايف الدبوس و غيره , و السبب في ذلك ليس بالضرورة ما قاله هؤلاء على الشاشة , و لكن الطبيعة الثقافية لمجتمعنا لا تتمتع بطولة البال التي تحتاجها الإجراءات القانونية , بل أن المجتمع نفسه يُمجد خلف الكواليس من ينتقدهم لأعمالهم الهمجية في العلن , و هذا ما جعل خيار الهجوم و التكسير هو الافضل أمام أبناء المالك
.
و نتابع هنا خطاب الزعيم الروحي لـ آل المالك السفير فيصل الحمود بعد عودته من التحقيق , و أعتقد أن هذا الخطاب أهم من ما سبقه من أحداث
.




.
لا أعتقد أن هناك من يختلف على قدرة السفير على الخطابة , فمن الواضح تماماً أن هذا الرجل يتصرف بحجم أكبر من محيط وظيفة السفير , فهو يعيش حالة الزعامة لأفراد أسرته كما هو ظاهر من رسائله الموجهة في المقطع , و أعتقد أيضا أن الكثير من ما جاء في هذا المقطع فيه رسائل مبطنة لبقية افراد الأسرة من غير فرع المالك , و ربما يكون القرار السريع بعزله من منصب السفير جاء رداً على هذا المقطع و ليس على ما قام به أفراد عائلته إتجاه قناة سكوب
.
و بغض النظر عن كل ما جاء في المقطع فقد لفت نظري قول أحد الحضور " لا يستفزونا " و لأكن صريحاً معكم أعتقد أن هذه الكلمة مؤلمة جدا , فمن ناحية كيف تحولت قضية قانونية بين وزارة و قناة تلفزيونية إلى إستفزاز لهذا الشاب و أقرانه ؟ ثم كيف لـ شاب من أسرة الصباح أن يخشى إستفزاز الآخرين بينما الطبيعي أن يخشى الآخرين إستفزازات أبناء الشيوخ و طغيانهم ؟ ما الذي يحصل في هذا البلد ؟ ما هي الثقافة التي تتلقاها الأجيال القادمة ؟
.
أكرر مرة أخرى بأن ما حصل مصيبة كبيرة جاءت من عدة مصائب أصغر , أكرر بأن الثقافة القبلية متأصلة في من يطلق على نفسه الألقاب الحضرية أكثر من تأصلها عند أبناء القبيلة , و خير دليل على ذلك بعض ما دار في إجتماع " الحضر " في ديوان الصقر للدفاع عن مساهمات الآباء و الأجداد , أيضا أكرر بأن النفاق الذاتي يجعلنا نُدين ما قام به المالك في العلن بينما نحن نؤيدهم في السر في كل ما قاموا به و زيادة
.
يُفترض أن تكون هذه القصة درس للجميع , بداية من مجلس الامة الذي عليه المسارعة لتعديل قانون المرئي و المسموع , ثم وزارة الداخلية و الإعلام للبحث عن تهمة أخرى غير الإنقلاب على نظام الحكم , ثم الفضائيات و من يقوم عليها في كف الأذى و القذى عن البشر و الخلق في كل طالعة و نازلة , و أخيرا و ليس آخرأ على المتضرر الذي عليه أن يطوّل باله و يلجأ الى القضاء , و على القضاء أن يخصص محمكمة خاصة و سريعة ربما للحكم في القضايا الإعلامية و ذلك لسرعة انتشار أضرارها في المجتمع
.

12 comments:

الدســتور said...

قبل المطالبة بتعديل القانون
على وزارة الاعلام عقد ندوات و دورات للمهتمين لتعريف الناس على القانون بشكل عام وتبسيطه لهم

اما ابو الزعامة ف اللي قال لا يستفزونا هو احد اتباع الشيخ لا من افراد اسرة المالك
:)

فــــــرنـــــــاس said...

في البداية يجب أن أبدي اعجابي بهذا المقال.

إشكالية المجتمع الكويتي هو حقيقة وجود مستويين من الخطاب، المستوى العام والمستوى الخاص. هذين المستويين متناقضين جملة وتفصيلاً. هذا التناقض الذي يرفض الجميع الكلام عنه علناً والاعتراف به تحت دعاوى متعددة منها شعار (الوحدة الوطنية) هو أحد الأسباب الهامة في توليد محاور متعددة للصراع في المجتمع، بل هو أشدها خطورة. أضف إلى ذلك أن الصراع السياسي في الكويت هو في الأساس صراع مصالح داخلية بين أشخاص أو فئات وليس صراع برامج سياسية كما نراه في الدول الديموقراطية. كل هذا يختلط بأعراف المجتمع التي لا تتجاوز العرف القبلي في التعامل مع محاور الصراع فتكون النتيجة كما هو موصوف ببراعة فائقة في مقالك

تحياتي الحارة يا عزيزي
فرناس

Q8i said...

اتفق معاك يـ اليوسفي

ففــعلا مجتمعنا بكافة شرائحه يعاني من ازداوج في الرؤيا

يبون دوله مؤسسات وافعالهم لا تمت لها بصله




الـناس مع المالك لـ سبب واحد

ان سكوب سبت وشتمت واستخدمت اوصخ الوسائل الاعلاميه
بلاحسيب ولا رقيب !
بالنسبه للقضاء

فـ عقوبة 5001 دينار صارت ولا شي
ما تردع الشاتم

اساسا الواحد يشتم وبعدها يقى الف واحد يبي يدفع عنه هالغرامه
وجويهل خير مثال



فوق هذا التيار الوطني المتبني الاول ل الدوله المدنيه " كلاميا " فقط شفنا شلون اجتمع بديوان الصقر لـ سرد تاريخ الاجداد و المفروض محد يسأل عن افعال الابناء حاليا

ورد الغانم ل عاشور ،، وكلمة المرزوق
خير شاهد


شكرا

Fahad Al Askr said...

Nice written

Unknown said...

تشخيص سليم لواقع مؤلم

ولكن من يعتبر ؟

Anonymous said...

أشكرك على التحليل المفيد
وأتمنى مثلك أن يكون الحدث درس للجميع
وأن يشوفون لنا حل بالمحطات المسيئه وإللي أعتبرها أسلحه يستخدمها كل طرف في حربه أو معاركه ضد خصومه
والله المستعان

panadool said...

أجر وعافيه

وقانون المرئ والمسموع بات تعديله للأفضل ضروره

EBNLBDAN said...

انقلب السحر على الساحر

Safeed said...

دولة المؤسسات لا تكون بوجود المؤسسات فقط كما هو عندنا (كان ولازال)، إنما بوجود الفكر الذي يحتكم إلى هذا المؤسسات وهذا ما لم يوجد عندنا حتى اللحظة
الوفرة المعيشية في الماضي كانت تغطي
هذه التصرفات، أما حين يتناهش الناس أنفسهم
كما يحصل الآن يتم تركيز النظر بازدياد على مثل هذه الأفعال

Anonymous said...

حسب معلوماتي التهمة ليست بسبب برنامج صوتك وصل
سبب التحويل كلام فجورة عن نظام لحكم وكانت تبي حصر الحكم بحجة ان ذريو مبارك كبرت افرعها ولا منطقيا شكو صوتك وصل بنظام الحكم

خالف تعرف said...

العزيز مطقوق

سلامات ومأجور ان شاء الله

الامر كله يتلخص في القوانين

فعلاوة على الذات الالهية وذوات الرسل والصحابة

برأيي انها يجب ان تغلض الغرامات لا نريد الحبس
بل نريد تغليض الغرامات لتكون رادعة

يحكي احد الصحفيين اياهم
بصوت تغلب عليه الضحكات
ويقول
" انا اذا سبيتهم اللي فوق يدفعون عني
واهم اذا سبوني اخذ التعويض بجيبي"

ياسيدي
اعلامنا انطلق كالقطار مع قانون المطبوعات والمرئي
ولكن للاسف ان هذا القطار لايسير على سكة محكمة
بل طرق ملتوية

جعلت اعلامنا وكتابنا يجنحون للتجريح والسباب
،،، فمن امن العقوبة اساء الادب

The Bodyguard said...

Good one