Sunday, July 30, 2017

ما لم تعرفه عن الخلية!!




تمهيد:

1-    كاتب هذا المقال لم يدرس ’’القانون‘‘، وبالتالي فإنه في هذا المقال يعالج مسألة ’’فلسفة القانون‘‘ وليس القانون بذاته.
2-    كاتب هذا المقال يكن كل الحب والاحترام للسلطة القضائية في دولة الكويت بشخوصها وصفاتهم الوظيفية، والنقد الوارد في هذا المقال للأحكام الصادرة عن هذه السلطة لا يقلل بأي شكل من الأشكال من تقدير الكاتب للسادة القضاة سواء اتفقنا معهم أو اختلفنا.
3-    كاتب هذا المقال لا يعاني من مرض ’’الطائفية‘‘ أو’’المذهبية‘‘، فهو لا يؤمن بأي طائفة أو مذهب، ولكن المقال سيحتوي على فقرات تتحدث عن الطوائف والمذاهب، فأرجو عدم الخلط بين ’’الطائفية‘‘ والكتابة ’’عن الطائفية‘‘.
4-    كاتب هذا المقال لم يكتبه من باب الشحن العاطفي أو التكسب السياسي، فلو كنا من هؤلاء لكتبنا عن ’’حكم الخلية‘‘ منذ صدوره في 18 يونيو 2017، ولم ننتظر شهرا ونيِّف حتى نقرأ الحكم كاملا ونُكوِّن فكرة شاملة ومتكاملة عن حيثياته للكتابة عنه.
5-    كاتب هذا المقال يعشق الكويت، ويضع نفسه في موقع المدافع عنها بشكل عام، وعن سلطتها القضائية بشكل خاص، وبالتالي، فالدافع الرئيسي لكتابة هذا المقال هو الدفاع عن السلطة القضائية، والحفاظ عليها وعلى نزاهتها وعلى بياض صفحاتها الناصعة.
والدفاع عن هذه السلطة لا يعني بالضرورة تأييد أحكامها، ولكنه يعني حمايتها من الهفوات ولفت أنظار القائمين عليها إلى مواطن الخلل إن وجد، ولا أَدَلّ على ذلك سوى موقفنا السابق في تأييد طلب المتهمين في قضية ’’اقتحام المجلس‘‘ بتغيير القاضي ’’نصر آل هيد‘‘ لاعتقادهم بعدم حياديته في محاكمتهم[1].
وقد دعمناهم في هذا الطلب رغم اختلافنا القاطع مع توجهاتهم السياسية ومع الجريمة التي كانوا يحاكمون عليها وهي اقتحام مبنى مجلس الأمة، والاعتداء على حرس المجلس، وكسر بوابة قاعة ’’عبدالله السالم‘‘، والعبث في محتوياتها.
  


6-    هذا المقال طويل جدا، وسيحتوي على عدد كبير من الصور التوضيحية والتدليلية، ولذلك أطلب من القارئ الكريم المعذرة على الإطالة والتفاصيل المُملة التي سيجدها في هذه القطعة.
7-    لفهم أشمل وأعمق لهذا المقال وقضية ’’خلية العبدلي‘‘، أدعو السادة القراء لقراءة مقالي السابق حول القضية بعنوان ’’ليس دفاعا عن الخلية.. ولا طعنا بالقضاء!!‘‘، وهو مقال أشرح فيه تفاصيل حيثيات القضية ورأيي المتواضع في حكم أول درجة الصادر في 12 يناير 2016.


مدخل:

يستخدم السياسيون في كثير من الأحيان سلاح ’’البروباجندا‘‘ لتحقيق أهدافهم، والبروباجندا هي نشر وترويج المعلومات بشكل مركز ومنتظم لتغيير قناعات المتلقي سواء كان هذا المتلقي فردا واحدا أو مجموعة من الأفراد أو مجتمع بأكمله[2]، وعادة ما تكون المعلومات المُستخدمة في هذه البروباجندا مُعالَجة بطريقة مُجتزأة ومغلوطة حتى تتمكن من اختراق الحاجز ’’العقلي‘‘ للمتلقي والتأثير عليه ’’عاطفيا‘‘، وبالتالي شحنه وتوجيهه بالاتجاه الذي ترغب فيه الجهة الناشرة.

وبطبيعة الحال، فإن هذا السلاح تستخدمه جميع السلطات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بهدف تجييش المجتمع لهذا الفريق أو ذاك، وضد هذه الفكرة أو تلك الأيدلوجية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، فنسبة كبيرة من المجتمع الأمريكي وقياداتهم الوسطى والعُليا لا زالت تعاني من آثار بروباجندا ’’الحرب الباردة‘‘ ضد الاتحاد السوفييتي السابق (أو روسيا اليوم).

ولذلك نرى بأن صاحب القرار الأمريكي لا زال يتعامل بتشنج وحساسية مفرطة مع أي قضية تخص روسيا والحكومة الروسية، ومَن منا (جيل الطيبين) لا يتذكر أفلام ’’رامبو‘‘ و’’روكي‘‘ التي كانت تُنتَج في حقبة الثمانينيات لترويج الدعاية الأمريكية بالتفوق على السوفييت في كل مجال وميدان، سواء كان في ميادين الحرب أو حلبات الملاكمة!!



وفي منطقة الشرق الأوسط، وبالرغم من امتداد جذور مشاعر الكراهية وعدم الثقة المتبادلة بين الفرس والعرب إلى الأزمان الغابرة، فإن هذه المشاعر بدأت تنتظم وتتبلور بشكل مُمنهج منذ خمسينيات القرن الماضي، خصوصا مع اكتساح أيدلوجية ’’القومية العربية‘‘ بين الشعوب العربية بمطلقها، فأصبح الانتماء للأمة ’’العربية‘‘ والاعتزاز بـ’’العروبة‘‘ معاديا بالفطرة لكل ما هو ’’ليس عربي‘‘ وبالتالي أصبحت الفارسية وكل ما يتعلق بها من إيجابيات وسلبيات ممقوتة في الوجدان العربي.

وقد خدمت هذه الآيدلوجية أهداف حكام المنطقة، فكراهية الفرس تُساهم في جعل الفرد العربي حائط صد مجاني أمام التغوُّل الفارسي، أيضا يساهم الاعتزاز بالعروبة في إعادة لملمة الهوية العربية بعد شتاتها لمئات السنين تحت ذل الاستعمار العثماني والغربي.

وبطبيعة الحال، كانت ’’البروباجندا‘‘ سلاحا فعّالا في تلك المرحلة، فأطلقت السلطات للفعاليات الشعبية عنان الحرية في شيطنة الفرس ومعاداتهم وكراهية كل شيء ينتمي إلى ’’فارس‘‘، بما في ذلك المذهب الشيعي الذي يعتنقه أغلب هؤلاء الفرس، وربما يكون تغيير اسم الخليج من ’’فارسي‘‘ إلى ’’عربي‘‘ من أبرز هذه المراحل.





ونحن هنا لا نُبرئ الفرس من استخدام نفس السلاح ضد العرب، خاصة في حقبة تحالف شاه إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي أصبح الفرس أعداء ’’طبيعيين‘‘ للعرب، ولم يكن في ذلك مشكلة لأغلب الأقطار العربية وشعوبها، فهي في مجملها لا ترتبط بالفرس جغرافيا وليس من بين سكانها فئات ذات أصول فارسية عِرقيا أو مذهبيا.

لكن هذه الحالة تختلف في دول الخليج العربية عموما، وفي الكويت خصوصا، فنسبة كبيرة من سكان الكويت هاجروا إليها من الضفة الفارسية للخليج على فترات متقطعة، ويعتنق نسبة كبيرة من هؤلاء المذهب الشيعي بنسخته الفارسية[3]، وبالتالي واجه هؤلاء ’’العجم‘‘ صعوبة كبيرة في التأقلم مع عدائية العرب للفرس.

فالأعجمي - أو العِيمي باللهجة المحلية - لا يرى ما يدفعه ذاتيا لمشاركة إخوته في الوطن من العرب في كراهية أرض أجداده وثقافتها الفارسية، وهو لا يرى مبررا في معاداة أبناء عمومته الذين لا زالوا يعيشون في الوطن الأم، بل على العكس من ذلك، فهو يفتخر بهذه الجذور وهذه الانتماءات والصِلات العرقية والمذهبية ويجد فيها رافد من روافد الغِنى والتنوع الإيجابي.






وبسبب هذه النظرة النوستاليجية[4]، والأريحية التي يمارسها ’’العَيَم‘‘ مع أرض أجدادهم وثقافتهم[5] الدينية والاجتماعية والسياسية، نشأت حالة من الصِدام ’’العاطفي‘‘ بين هؤلاء العَيَم ذوي الأصول الفارسية وشركاؤهم في الوطن من ذوي الأصول العربية المشحونين أيدلوجيا ضد كل ما هو فارسي، والذين أصبحوا يتعاملون فطريا مع إيران وحكامها ودينها كمصدر رئيسي لكل الشرور المحيطة بهم.    

ورغم تواجد هذه الحالة من ’’الصدام الانتمائي‘‘ بين الفريقين، إلا أن هذا الصدام لم ينتقل من الحالة ’’المشاعرية‘‘ إلى حالة ’’واقعية‘‘ إلا في فترة الثمانينيات من القرن الماضي وبالتحديد مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، فقد اتخذت الحكومات الخليجية موقفا حاسما في الاصطفاف خلف القائد العربي ’’السُني‘‘ صدام حسين ضد الفرس الشيعة، وبالتالي أصبح من الصعب على صديقنا ’’العيمي الخليجي‘‘ أن يُعبر علانية عن مشاعره الحقيقية في تأييده لبلد أجداده ضد ’’سيف العرب‘‘ الذي تدعمه حكومته، وهذا ما أدى إلى سلسلة من الصدامات التي صاحبها القيام بأعمال تخريبية وموجات تخوينية يعرفها كل من عاصر تلك الحقبة.






خلية العبدلي

ودون الدخول في تفاصيل الأحداث التاريخية التي تبعت مرحلة الثمانينيات وما فيها من تجارب مريرة وصدامات عنيفة ومشاعر سلبية بين الشيعة والسنة، فقد ظهرت علينا في الشهر الثامن من العام 2015م قضية ’’خلية العبدلي‘‘، وهي قضية تستحق بكل جدارة أن نطلق عليها وصف ’’الجريمة النموذجية‘‘!!

فقد أتت في الوقت الذي كادت فيه الأفكار النمطية المُختزنة في المخيال ’’السُني العربي‘‘ تجاه ’’الشيعي الفارسي‘‘ أن تتهافت بعد تجلي حالة اللحمة الوطنية التي شهدتها حادثة تفجير مسجد ’’الإمام الصادق‘‘ بقيادة صاحب السمو أمير البلاد وصرخته الخالدة ’’هذولا عيالي‘‘.



بل أن هذه الحالة من التسامي على الحواجز الطائفية أذهلت الجميع بمن فيهم ’’العدو‘‘ الأول للمخيال السُني الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، فجاءت قضية خلية العبدلي لتعيد هذا المخيال إلى منطقته المريحة أو الـComfort Zone التي تتأكد فيها أفكاره النمطية بالعدائية والكراهية المتبادلة مع الفرس والشيعة.



فالقضية هنا تحتوي على جميع المكونات الممتازة (Perfect Ingredients) لإعادة حالة العداء وعدم الثقة بين الفريقين، خمسة وعشرون مواطن كويتي[6] ينتمي أغلبهم إلى أصول إيرانية، ويعتنقون المذهب الشيعي بنسخته الفارسية، ويكنون الولاء للمرشد الإيراني، قاموا بجمع السلاح والمتفجرات بغية تنفيذ عمليات إرهابية في الكويت حسب الأوامر الصادرة لهم من ’’حزب الله‘‘ اللبناني الموالي لإيران، وكل ذلك مُوثق ومسجل بالكامرات ولا مجال للتشكيك فيه أو اتهام السلطات الكويتية بالكيدية...

هذا ما اقتنع فيه الجميع بمن فيهم كاتب هذه السطور... لكن الأمور لم تكن بهذه البساطة المثالية...     



حكم أول درجة

أصدرت محكمة الجنايات حكمها الأول في قضية خلية العبدلي في 12 يناير 2016م، وقد وقع الحكم في 186 صفحة، وتم نشره للعامة في اليوم نفسه، وهذا ما أتاح لي قراءته كاملا، فوجدت بأن في هذا الحكم شيئا من الغرابة، حيث أن الأدلة ’’المادية‘‘ التي قدمها ضابط أمن الدولة لهيئة المحكمة لم تكن بالجودة والكفاءة الكافية التي تؤهل المحكمة للاطمئنان إلى صحتها، وقد ثَبّتَت هيئة المحكمة هذه النقاط في العديد من فقرات حكمها.

لكن ضابط أمن الدولة لم ييأس عند هذا الحد، فحاول تعويض القصور الواضح في الأدلة المادية في مرافعته من خلال طرح رؤيته ’’السياسية‘‘ والتاريخية للمشاريع الاستراتيجية المستقبلية التي ستحاول إيران تحقيقها خلال السنوات القادمة والتي لم يفطن لها كبار ضُباط أجهزة الموساد والسي آي أيه فقال:

’’أن ما يسمى بـ’’حزب الله‘‘ ما هو إلا تنظيم سياسي شيعي مسلح استهدف في تشكيله تحقيق مصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ومن بين هذه المصالح التي يسعى ’’حزب الله‘‘ لتحقيقها تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إلى دول العالم الإسلامي ودول الخليج العربي بصفة خاصة وبناء إمبراطورية إسلامية ترتكز على أيديولوجية سياسية ذات مذهبية شيعية.

هذه الثورة التي قامت في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في غضون عام 1979م على يد الإمام الخميني الراحل، وقد ارتكزت على معتقدات دينية وسياسية إصلاحية، بيد إنها انحرفت عن مسارها وأهدافها الداخلية إلى السعي نحو إقامة دولة دينية عقائدية موحدة تتخذ شكل جمهورية إسلامية تضم تحت لوائها كافة أقطار العالم الإسلامي، وأن يكون الولي الفقيه وهو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية قائداً للجمهورية الكُبرى.

ومن بين سبل حزب الله لتحقيق أهدافه المأمولة القيام بأعمال تخريبية داخل الدول وشرعنتها لزعزعة الأمن فيها ليفقد من ليس له ولاء أو انتماء إلى وطنه من شعوب تلك الدول الثقة في أنظمة الحكم القائمة، ومن ثم البحث عن بديل أخر لتحقيق الأمن، مما يهيئ ظهور ’’حزب الله‘‘ لبسط هيمنته على تلك الدول بذريعة تحقيق أمن هذه الشعوب، ومن ثم السعي للنيل من استقلال تلك الدول وإتباعها للجمهورية الإسلامية الإيرانية توطئة لضم كافة الدول – مستقبلاً – تحت راية الجمهورية الإسلامية الكبرى بعد إزالة الحدود بين كافة تلك الأقطار.

وقد أخذ حزب الله بالامتداد داخل بعض دول الخليج والتي سعت لمناهضة أفكاره وأن هناك بعضاً من تلك الدول اعتبرت الجناح العسكري لحزب الله جماعة إرهابية‘‘.


’’وقد ثبت أن أفكار هذا الحزب ونشاطه قد زحفت نحو البلاد وأطل منتسبيه عليها باعتناقهم فكر هذا الحزب الساعي نحو دعم أيدلوجية ’’ولاية الفقيه‘‘ وإقامة الجمهورية الإسلامية الكبرى والتي تتعارض مع نظام الحكم القائم في البلاد من أن الكويت دولة مستقلة تتبع نظام الحكم الوراثي المحصور في ذرية مبارك الكبير والعمل على نشر مبادئ هذا الحزب المناهضة للدولة بطريق العنف.

كما سبق لبعض من تابعي هذا الحزب وإن قاموا ببعض الأعمال التخريبية التي وقعت في البلاد إبان ثمانينيات القرن الماضي فضلا عما إنتواه من أعمال من شأنها المساس بأمن واستقرار البلاد – مطروحة في وقائع الدعوى الراهنة - وهو ما يعني العمل بطريق غير مشروع على هدم النظم السياسية والاجتماعية في البلاد بنقضها وإسقاطها من أساسه، بما في ذلك النظام الأميري الذي ارتضاه الكويتيون منذ أمد بعيد ونص عليه الدستور في المادة الرابعة منه، وكذلك النظام الديمقراطي الذي اتخذه الكويتيون سبيلاً لبناء وطنهم وخلق في نفوسهم ثقافة قبول واحترام الرأي والرأي الآخر ونص عليه الدستور في المادة السادسة منه.

هذا ولاسيما وأن الإيمان العميق بمبادئ الثورة الإيرانية التوسعية ذات التوجه الطائفي الإقصائي ومبدأ ’’ولاية الفقيه‘‘ وهي من دعائم تنظيم ’’حزب الله‘‘ والذي يسعى لنشرها عبر البوابة المذهبية تتعارض مع أصل حرية الاعتقاد المكفولة بنص المادة 35 من الدستور الأمر الذي يُعتبر ’’حزب الله‘‘ في نظر القانون جماعة محظورة بما يستتبع إسباغ الحظر القانوني على هذا الحزب‘‘.

’’ولما كان ’’الحرس الثوري‘‘ الإيراني يضمر نوايا عدوانية تجاه البلاد ويسعى للقيام بأعمال تخريبية بداخلها بهدف إسقاط نظام الحكم فيها في قبضة الثورة الإيرانية‘‘.

ورغم أن هذا التحليل السياسي المستقبلي لا يرقى إلى أن يتم طرحه في ديوانية أو مقهى لشرب ’’الشيشة‘‘، إلا أن هيئة المحكمة أعلنت بصريح العبارة بأنها ’’اطمأنت إليه‘‘، وبالتالي مَكَّنها اطمئنانها لهذا التحليل السياسي المتهافت إلى إصدار أحكامها النهائية بإدانة المتهمين بالقضية.

وبصفتي أحد المتخصصين في مجال التاريخ والتحليل السياسي، فقد فُجعت بهذه السقطة القضائية المُدوية، فكيف اقتنعت هيئة محكمة مكلفة بالحكم في هذه القضية الخطيرة بهذا التحليل السطحي لضابط أمن الدولة!؟

وعندما أصف هذا التحليل بالسطحي والمتهافت والسخيف أيضا فأنا لا أتجنى عليه وعلى صاحبه، فهو شخص ناضج ويتمتع بحقه الكامل في تكوين آرائه السياسية والتعبير عنها، إلا أن عمله في المجال الأمني وقدراته التحليلية المتواضعة لم تسعفه في تكوين صورة احترافية للأحداث السياسية والتاريخية، ونحن هنا لا نوجه له أصابع اللوم بأي شكل من الأشكال، فاللوم يقع على هيئة المحكمة التي أخذت بهذا التحليل على محمل الجد حتى أصبح الركن الأساسي الذي استندت عليه في أحكامها!!

والأغرب من ذلك هو أن هيئة المحكمة لم تختبر أي فقرة من فقرات هذا التحليل التافه، فهي لم تُتعب نفسها في فهم الحيز الزمني والجغرافي الذي تشكّل فيه حزب الله وعلاقته بالجمهورية الإيرانية، وهل تكوَّن حزب الله في فترة استقرار الجمهورية اللبنانية أم في فترة الحرب الأهلية التي كان فيها لبنان مُحتلاً وكان زعماء المليشيات الطائفية يقتلون بعضهم البعض على الهوية!؟

كيف لم تفحص هيئة محكمة يفترض فيها بذل الجهد الجاد في كشف الحقيقة مدى مصداقية فكرة سعي إيران لتصدير الثورة!؟ فأين هي الثورات التي صدرتها إيران على مدى 38 سنة من سقوط الشاه!؟ ولماذا لم تصدرها إلى باكستان وهي جارتها القوية!؟ ولماذا لم تصدرها إلى أذربيجان وهي جارتها الغنية وأغلب سكانها من الشيعة!؟ ولماذا لم تصدرها إلى جارتها أفغانستان وهي الدولة الفاشلة التي يسهل اختراقها!؟ لماذا دول الخليج هي الوحيدة التي لا زالت تردد هذه الإسطوانة المشروخة التي أصبحت أقرب إلى ’’النكتة المليقة‘‘ منها إلى الحقيقة السياسية!؟

لماذا لم تثبت لنا هيئة المحكمة كيف سيتمكن حزب الله من نشر أيدلوجية ’’ولاية الفقيه‘‘ في الكويت والخليج وهو لم يتمكن من نشرها بين الشيعة في لبنان من المنتمين إلى حركة ’’أمل‘‘ وأتباع المرجع ’’فضل الله‘‘!؟ أين المنطق السليم في هذا التحليل ’’الميكي ماوسي‘‘ للتاريخ والسياسة!؟

وبسبب استشعاري لخطورة الموقف وسهولة وقوع السلطة القضائية في فخ التسييس والاقتناع (أو الاطمئنان) إلى هذه التحليلات السياسية البروباجندية، فقد قررت كتابة مقالي السابق لتثبيت هذه النقطة والتحذير منها، متأملا بأن تكون هيئة محكمة الاستئناف أكثر نضجا وجدية في التعامل مع ما بين يديها من أدلة مادية قانونية وبعيدة عن التعامل الاستخفافي مع هذه القضية.



حكم الاستئناف

 وبالفعل، صدر حكم الاستئناف بالقضية في 21 يوليو 2016م وقد وقع في 152 صفحة، وتم نشره للرأي العام بعد ثلاثة أيام من صدوره في 24 يوليو 2016م.

وبغض النظر عن رأينا الشخصي ببعض الأحكام الصادرة، فإن هيئة هذه المحكمة أعادت للسلطة القضائية شيئا من صورتها المهزوزة بسبب حكم أول درجة، فقد أظهرت الهيئة احترافية عالية في التعامل مع الأدلة المقدمة من النيابة وتداركت إشكاليات الحكم السابق من خلال عدم بناء حكمها على التحليل السياسي البروباجندي لضابط أمن الدولة، وهي قامت بذلك دون خدش لحيادية القضاء بالميل أو التحامل على هذا الطرف أو ذاك، وقد أصدرت أحكاما مخففة على المتهمين وأعطت صك البراءة لمن لم تثبت الأدلة تورطه في الجريمة، مع الإبقاء على العقوبات الصادرة في حق المدانين منهم.

وحتى تتضح الرؤية للقارئ الكريم، فسأقوم في هذا التحليل بعرض فقرات من الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في قضية خلية العبدلي، مع مراعاة أن هذه الفقرات مُنتقاة ومُختارة بعناية، ولفهم أفضل للقضية يمكن للقارئ أن يقرأ الحكم كاملا على هذا الرابط.

حيادية المحكمة

قد يعتقد البعض بأن صدور الأحكام المخففة جاء من باب تعاطف هيئة المحكمة مع المتهمين، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فقد رفضت هذه المحكمة في كثير من الأحيان طلبات المتهمين ودفاعاتهم التي لم تعتبرها الهيئة مناسبة، فنجد في الصفحة 112 من الحكم أن المحكمة رفضت ادعاء المتهمين بأنهم احتفظوا بالسلاح خوفا من تنظيم ’’داعش‘‘.


وفي نفس الصفحة ترفض المحكمة ادعاء المتهمين بأنهم حاولوا التخلص من السلاح حيث أن الأسلحة كانت تخضع لسيطرتهم المادية.


وفي الصفحة 127 من الحكم، ترفض المحكمة دفاع المتهمين بأن تفتيش منازلهم تم بصورة غير قانونية، فترد عليهم بتأكيد شرعية هذا التفتيش.



حيثيات الحكم واستعراض الأدلة

أما بالنسبة لحيثيات الحكم وما فيه من فحص دقيق للأدلة المقدمة من الطرفين، فقد أشارت المحكمة في صفحة 19 من الحكم إلى أن الجهات التنفيذية تخلصت من ملابس المتهمين وقت الضبط لأسباب ’’صحية وأمنية‘‘، وأن المستشفى العسكري لم يُوثّق ما يتعلق بعلاج المتهمين فيه مما لا يمكن من خلاله معرفة مدى تعرض المتهمين للتعذيب من عدمه.


وفي الصفحة 20 من الحكم، ينكر المتهمين كل ما جاء على لسانهم من اعترافات ويدّعون بأنها جاءت عن طريق الإكراه والتعذيب والتهديد.




وفي صفحة 28 من الحكم، يدعي المتهم الأول (صاحب الأسلحة) بأنه بدأ بجمع السلاح أثناء الاحتلال العراقي للكويت، وذلك في فترة تسبق اتصاله بالسفارة الإيرانية حسب الاتهام، وبالتالي فإن جمعه للسلاح ليس له علاقة بالتخابر مع إيران أو نيته للقيام بأعمال إرهابية في الكويت.



وفي صفحة 29 من الحكم، ينكر المتهمون ارتكابهم للجرائم محل الاتهام مقابل مبالغ مالية، وذلك لأن المبالغ المذكورة في الاتهام زهيدة وليست منطقية (1300 دولار أمريكي بما يعادل 400 دينار كويتي).


وفي صفحة 35 من الحكم، يشير دفاع المتهمين إلى أن سلطة الاتهام تعمدت ’’إفساد الأدلة‘‘ التي تُثبت تعرض المتهمين للتعذيب.



وفي الصفحة 89 من الحكم، تؤكد المحكمة على أنها اعتمدت بشكل كبير في تثبيت التهمة على المتهم الأول على الاعترافات التي أدلى بها في التحقيقات.



وفي الصفحات 92 و93 من الحكم، تبدأ محكمة الاستئناف في اختبار الأدلة المقدمة من النيابة وحكم أول درجة بشأن تخابر المتهمين مع إيران، فتقول بأن الحكم السابق لم يحدد الأنشطة التي قام بها المتهمون في مجال التخابر وأن الاتهام لا يعدو أن يكون ’’كلام مرسل‘‘ من ضابط أمن الدولة وأن الأوراق خلت من أي دليل مادي عليه.

أيضا لم يثبت الضابط وحكم أول درجة بالدليل القاطع أن المتهمين قاموا بما قاموا به من أعمال بقصد ارتكاب جرائم تخريبية ضد الكويت، ولذلك فإن محكمة الاستئناف لم تطمئن إلى ادعاءات النيابة في هذا الشأن.






وفي صفحة 94 من الحكم، تعلن هيئة محكمة الاستئناف بأن محكمة أول درجة ’’تنكبّت‘‘ التطبيق الصحيح للقانون مما يستدعي اضطرار محكمة الاستئناف لإلغاء إداناتها للمتهمين وبالتالي تبرأتهم من هذه الاتهامات.



وفي الصفحة 97 من الحكم، تُثبِّت المحكمة على المتهمين الأول والسادس تهمة استقصاد الإضرار بالكويت حسب الأدلة المعروضة أمامها.



وفي الصفحة 98 من الحكم، تعلن المحكمة بأن نفس الاتهامات السابقة لم تثبت على بقية المتهمين، وأن أقوال ضابطي أمن الدولة والمباحث لا تعدو كونها استنباطات بلا دليل مادي عليها.





وفي الصفحات 99 و100 من الحكم، تعود المحكمة لتذكر خلو الأوراق من ذكر الأفعال التي قام فيها المتهمون بالإضرار بالكويت مما يستدعيها للتشكيك في حكم أول درجة وتبرأة المتهمين عن التهم المذكورة حيث أن حكم أول درجة قد ’’تنكّب‘‘ التطبيق الصحيح للقانون.




وفي الصفحات 102 و103 و104 من الحكم، تنتفض محكمة الاستئناف لنفسها وتؤكد ما ذهبنا إليه في مقالنا السابق من أن السلطة القضائية لا يليق بها الأخذ بالتحليلات السياسية الغثة لضابط أمن الدولة حول مخططات إيران وحزب الله بلا دليل مادي ملموس أو يخاطب المنطق والعقل.

وبالتالي تقوم المحكمة برد هذه الأحكام وتؤكد على خلو أوراق الإدانة من أي دليل يثبت بأن حزب الله يريد إسقاط النظام في الكويت، أو أن وحدة العقيدة والمذهب بين المتهمين والحزب تعني بالضرورة بأنهم ينتمون إلى الحزب وأنهم يخططون لقلب نظام الحكم في الكويت.






وبالتالي، فقد أصدرت محكمة الاستئناف أحكامها المخففة عن حكم أول درجة ليس من باب الرأفة بالمتهمين، ولكن من منطلق عدم توفر الأدلة الدامغة على إدانتهم بالتهم المنسوبة إليهم، وبعيدا عن مدى اقتناعنا بهذه الأحكام فإننا وجدناها أكثر ’’انضباطية‘‘ من أحكام محكمة أول درجة، وهذا ما جعلنا نُعرض عن التعليق على الحكم ونبتعد عن التفاخر بتأييده لما جاء في مقالنا السابق الذي تلقينا بسببه الكثير من اللوم والشتم والعتاب.

وعدم تعليقنا على الحكم يأتي من مبدأ صيانة حيادية السلطة القضائية والابتعاد قدر الإمكان عن التدخل في شؤونها ما دامت تطبق القانون وتسير في مسارها الصحيح الذي يحافظ على سمعتها الرصينة.





حكم التمييز

وبعد مرور قرابة السنة على صدور حكم الاستئناف، أصدرت محكمة التمييز حكمها في 18 يونيو 2017م، إلا أن النص الكامل لحيثيات هذا الحكم الذي وقع في 89 صفحة لم يظهر للرأي العام إلا بعد مرور شهر وخمسة أيام من صدوره، أي في 23 يوليو 2017م، وهذا التأخير في استخراج نص الحكم إلى الرأي العام بحد ذاته يبعث على الكثير من الاستغراب والتساؤل.

وقد انتهى الحكم إلى الإبقاء على الأحكام نفسها على ثلاثة من المتهمين، وتخفيفها عن خمسة منهم بما فيهم المتهم الأول وهو صاحب الأسلحة والمتفجرات التي ظهرت لنا في فيديو الداخلية، وذهب الحكم إلى تشديد العقوبة على ثمانية عشر متهما بمن فيهم ثمانية متهمين كانوا قد حصلوا على البراءة في حكم الاستئناف، وإثنين من المتهمين الذين كانوا قد حصلوا على البراءة في حكم أول درجة والاستئناف معا!!

هذا الجدول يحتوي على بعض الأخطاء

وبالتالي، فقد تعاملت محكمة التمييز بـ’’فلسفة‘‘ جديدة مع القضية لم تتبعها محكمة أول درجة ومحكمة الاستئناف، واحتراما منا للسلطة القضائية أولا، ولأنفسنا ثانيا، فقد امتنعنا عن التعليق على هذا الحكم إلى حين قراءته وتحليله كاملا، وقد انتهينا بعد المراجعة إلى أن هذا الحكم اعتمد على مسارين أساسيين هما:

1-    تحصين هيئة المحكمة للحُكم وجنوحها نحو التحرر من التزام ’’التدليل‘‘ على الأسباب التي أوصلتها إلى هذه الأحكام والعقوبات.
2-    عدم تجاوب هيئة المحكمة مع مطالب المتهمين سواء كانت هذه المطالب تستحق النظر أو عدمه.

المسار الأول: تحصين الحكم

في صفحة 64 من الحكم، تؤكد هيئة المحكمة إلى عدم حاجتها إلى توضيح أسباب إلغاء أو تعديل حكم الاستئناف.



وفي صفحة 70 من الحكم، تؤكد هيئة المحكمة على أن القانون لا يلزمها بالاعتماد على الأدلة الصريحة في جرائم الانضمام إلى جماعات محظورة، وللمحكمة الحق في استنتاج أحكامها حسب ’’الظروف‘‘ المحيطة بالقضية.



في صفحة 75 من الحكم، تؤكد المحكمة على أن جريمة حيازة أجهزة التنصت تتوافر بركنيها المادي والمعنوي بالحيازة فقط، دون الحاجة إلى توفر القصد الجنائي من هذه الحيازة[7]، وأن الحكم ليس بحاجة إلى ذكر كل ركن من أركان الجريمة، وأن هذا الحكم لا يصح ’’التعقيب‘‘ عليه.



وفي الصفحة 79 من الحكم، تتوسع هيئة المحكمة في إطلاق يدها للأخذ بأقوال بعض الشهود وتجاهل أقوال الآخرين، وتجعل المحكمة لنفسها ’’سُلطة تقديرية‘‘ في الاعتماد على ’’ظروف‘‘ القضية، وتضيف على ذلك بأن حكمها الصادر لا يصح ’’التعقيب‘‘ عليه، وهي ليست بحاجة إلى توضيح أسباب أخذها بأقوال بعض الشهود ورفضها لأقوال الآخرين.

أيضا لا ترى هيئة المحكمة حاجة في ذكر مواقع الأدلة التي استندت عليها من ’’أوراق القضية‘‘، وتضيف على ذلك بأن لها الحق في الأخذ بأقوال الشهود حتى وإن تضاربت أقوالهم، وهي قد اطمأنت تماما إلى أقوال ضابطي المباحث وأمن الدولة، وبالتالي فيحق لها أن ترفض كل قول يُشكك في ما اطمأنت إليه المحكمة.






وفي الصفحة 80 من الحكم، تؤكد المحكمة على عدم حاجتها إلى ذكر أسباب اقتناعها ببعض الأدلة في منطوق حكمها من جهة، وعلى حقها في رفض الأدلة الواردة في الأوراق الرسمية من جهة أخرى!!


وفي الصفحة 81 من الحكم، تؤكد هيئة المحكمة على عدم جواز مجادلتها في ما استقرت عليه عقيدتها في تكوين آراءها حول القضية.



المسار الثاني: عدم الاستجابة لطلبات المتهمين

في الصفحة 74 من الحكم، ترفض هيئة المحكمة الأخذ بأقوال المتهم بعدم علمه بوجود المتفجرات والأسلحة التي شارك في نقلها لأن هذا الادعاء مجرد ’’كلام مرسل‘‘، رغم أن المحكمة أخذت بالكلام المرسل في مواقع أخرى من الحكم.


وفي نفس الصفحة أيضا، ترفض المحكمة دفاع أحد المتهمين بعدم وجود بصماته على الأسلحة والذخيرة.


في صفحة 75 من الحكم، تنتقد هيئة المحكمة حكم محكمة أول درجة والاستئناف في أخذهم بأقوال المتهم بأن حيازته للسلاح كانت ’’عَرَضية‘‘ وليست مستمرة.



وفي الصفحة 78 من الحكم، ترفض هيئة المحكمة أقوال المتهمين بأن السلطات لم تمكنهم من الاتصال بمحاميهم وتصف هذه الأقوال بالكلام المرسل.


وفي نفس الصفحة، ترفض هيئة المحكمة طلب أحد المتهمين بانتداب لجنة من ’’كلية الطب‘‘ لفحصه والتأكد من تعرضه للتعذيب، وبالتالي تبطل اعترافاته التي أدلى بها تحت الإكراه والتعذيب.


وفي نفس الصفحة، يصف الحكم تناقض أقوال أحد شهود الإثبات بـ’’الخطأ المطبعي‘‘، ويرفض احتجاج المتهم على شهادة هذا الشاهد.



وفي الصفحة 80 من الحكم، ترفض هيئة المحكمة طلب أحد المتهمين بتفريغ كاميرات السجن المركزي والمستشفى العسكري للتأكد من تعرضه للتعذيب، وتؤكد إلى عدم حاجتها إلى إعادة التحقيق مع المتهم.



وفي نفس الصفحة أيضا، ترفض هيئة المحكمة الاعتماد على الأدلة الرسمية التي تثبت عدم سفر المتهم إلى لبنان وترفض شهادة الشيخ عذبي الفهد التي تثبت براءته، وترفض طلب متهم آخر بعدم الأخذ بتناقضات التحقيقات وما تحتويها من تعارض زمني.


وفي الصفحة 81 من الحكم، ترفض هيئة المحكمة الأخذ بأقوال المتهمين بأنهم أُجبروا على التوقيع على محاضر التحقيقات دون تمكنهم من قراءة ما فيها، وتؤكد المحكمة إلى أنها تثق بصحة كل إجراءات النيابة وسلطة الاتهام.




حيثيات الحكم واستعراض الأدلة

في الصفحة 23 من الحكم، تؤكد المحكمة على حقها في الحكم ببراءة المتهم متى ما ’’تشككت‘‘ في الأدلة المقدمة من سلطة الاتهام، وأن ذلك كله يخضع إلى ما يطمئن إليه القاضي في وجدانه.



وفي نفس الصفحة، تؤكد هيئة المحكمة على حق القاضي في عدم الالتزام بتوضيح أسباب أخذه أو عدم أخذه بأقوال الشهود وأدلتهم، ولكن في حال ذكره لهذه الأسباب، فسيصبح من حق محكمة التمييز أن تبسط رقابتها على حكمه.


وفي الصفحة 25 من الحكم، تستعرض المحكمة التحليل السياسي لضابط أمن الدولة حول دور إيران وحزب الله اللبناني في تقويض نظام الحكم في الكويت، وهو ما سبق ذكره وشرحه أعلاه.



وفي الصفحة 26 و27 من الحكم، يطعن فريق الإدانة بالحكم الذي توصلت إليه محكمة الاستئناف ويصفه بـ’’الفساد بالاستدلال‘‘ و’’التعسف بالاستنتاج‘‘.





وفي الصفحة 57 من الحكم، يستعرض فريق الإدانة ما تم ضبطه مع المتهمين من مقتنيات تثبت انتماءهم إلى ’’حزب الله‘‘[8].

  
في صفحة 63 من الحكم، يؤكد فريق الإدانة على أنهم قاموا بتفجير جزء من المتفجرات التي وجدوها في حيازة المتهم في موقع التخزين لما لها من خطورة في حال نقلها، وبالتالي تم التخلص من بعض أدلة الإدانة.



وفي صفحة 65 من الحكم، تذكر المحكمة نص القانون 31 لسنة 1970م الذي ستتم محاكمة المتهمين على أساسه، وهو قانون ’’فضفاض‘‘ يعطي الصلاحية الكاملة للسُلطة ’’التقديرية‘‘ لهيئة المحكمة في إدانة المتهمين ومعاقبتهم.



وفي الصفحة 69 من الحكم، تستكمل المحكمة نص القانون 31 لسنة 1970م وهو تعديل على القانون 19 لسنة 1960م والذي سيتم الرجوع إليه عند الحكم في هذه القضية، والملاحظ أن هذين القانونين من القوانين القديمة حيث تجاوز عمر كل منهما الـ47 والـ57 سنة.



وفي نفس الصفحة، تؤكد هيئة المحكمة على أن إسباغ صفة ’’الحظر‘‘ على المجموعات أو التنظيمات لا يشترط وجود ’’الدليل المادي‘‘ القاطع على نواياها السيئة، بل أن ذلك يتحقق من خلال ’’أغراضها‘‘ و’’الوسائل‘‘ التي تستخدمها لتحقيق هذه الأغراض، وأن القصد الجنائي في الانضمام إليها يتم بمجرد ’’علم‘‘ المتهم بهذه الأغراض والوسائل حتى وإن لم تتحقق.



وفي الصفحة 70 من الحكم، تؤكد المحكمة على أحقيتها في تجريم وعقاب كل من ينضم إلى هذه المجموعات أو التنظيمات المحظورة حتى وإن لم يشارك في أي نشاط معادي للدولة، وبالتالي فلو ارتكب عضو في جماعة ’’الإخوان المسلمين‘‘ أو ’’حزب الأمة‘‘ أو غيرها من الجماعات جريمة ما، سـ يحق للمحكمة عقاب بقية الأعضاء، بل أن حتى عدم ارتكاب الجريمة يعطي للمحكمة الحق في معاقبة الأعضاء في حال إسباغ صفة ’’الحظر‘‘ على التنظيم.




وبعد اختيار هيئة المحكمة للقوانين الفضفاضة، وتأسيسها لمبدأ فرض سلطتها في إسباغ صفة ’’الحظر‘‘ على التنظيمات والجماعات، تؤكد في الصفحات 70 و71 من الحكم على اطمئنانها التام واعتقادها المطلق بالتحليل السياسي لضابط أمن الدولة، وهو أن حزب الله اللبناني يهدف إلى هدم نظام الدولة في الكويت والانتقاض على نظام الحكم في الدولة لصالح الجمهورية الإيرانية!!

وبذلك، وقعت محكمة التمييز في نفس الخطأ الذي وقعت فيه محكمة أول درجة، وهو الزج بالتحليلات السياسية الكرتونية في إتون الحكم القضائي، ويتم كل ذلك دون الاستناد على ’’أدلة حقيقية‘‘ تدفعنا إلى الاقتناع بحيادية المحكمة ومنطقية أحكامها، خاصة وأنها استندت في رأيها على اتهام ’’حزب الله‘‘ بالأعمال الإرهابية التي تمت في الكويت في فترة الثمانينيات، وذلك بالسقوط في فخ المغالطات التاريخية السمجة.

فقد اتهمت المحكمة حزب الله اللبناني بتدبير محاولة اغتيال أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد، وذلك رغم أن الوثائق تثبت بأن من نفّذ هذه العملية مجموعة عراقية تنتمي إلى منظمة ’’الجهاد الإسلامي‘‘ وذلك انتقاما من تمويل الكويت للعراق في حربه ضد إيران، ومساندة حكومة الكويت للطاغية صدام حسين الذي ارتكب العديد من المجازر المروعة في حق الشعبين العراقي والإيراني[9].



وفي الصفحة 72 من الحكم، تستعرض المحكمة أسباب إسباغها صفة ’’الحظر‘‘ على تنظيم ’’حزب الله‘‘ اللبناني، وأحدها أن المتهم الأول أجاب بأنه سيعتزل القتال في حال نشوب حرب بين الكويت وإيران!!

وبغض النظر عن كوميدية السيناريو المطروح، فإن المتهم قال بأنه سـ’’يعتزل القتال‘‘ ولم يقُل بأنه سيقاتل في صفوف الإيرانيين ضد الكويت!!

ثم أن اعتزال المتهم للقتال يتناقض مع الحالة العُنفية التي يحاول ضابط أمن الدولة إسباغها على حزب الله، فعدم القتال يجعل الحزب وأتباعه من أنصار السلم والمُسالمة وليسوا إرهابيين ومجرمين[10]!!



وفي الصفحة 73 من الحكم، تؤكد المحكمة على أن القصد الجنائي في جريمة حيازة أسلحة غير مرخصة يتوفر بمجرد ’’الحيازة‘‘، دون اعتبار للمدة الزمنية والدافع لهذه الحيازة.

والغريب في هذه الفقرة، هو أن المحكمة تتعمد سلب المتهم حقه في استخدام ’’دافعه‘‘ (Motive) للدفاع عن نفسه، بينما هي تفرض عليه ’’دافع‘‘ مُختلق وهو الإضرار بالكويت لصالح إيران وحزب الله وتحاكمه عليه!!



وتكمل المحكمة في نفس الصفحة بأنها لم تتوصل إلى ’’الدافع‘‘ الذي فرضته على المتهم من خلال الأدلة المادية الدامغة، ولكنها توصلت إلى هذا ’’الدافع‘‘ من خلال استنادها إلى ’’ظروف‘‘ القضية وملابساتها!!



وفي الصفحة 80 من الحكم، تعود هيئة المحكمة للتأكيد على أن ’’الدافع‘‘ على ارتكاب الجريمة ليس ركنا أساسيا من أركانها، وبالرغم من اتفاقي مع هيئة المحكمة الموقرة في رفض ’’الدافع‘‘ الذي ذكره المتهمون وهو استعدادهم لقتال داعش، إلا أنني أرى خطورة في تأسيس مبدأ انتزاع القيمة القانونية لـ’’الدافع‘‘ في إصدار الأحكام.

على سبيل المثال وليس الحصر، فلو قام شخص بقتل شخص آخر بـ’’دافع‘‘ السرقة، لا تتساوى عقوبته مع من قام بالقتل بـ’’دافع‘‘ الانتقام للشرف عندما وجد الضحية يمارس الجنس مع زوجته على فراش الزوجية!!

ونجد في هذه الفقرة إصرار غريب على ربط مجموعة الشباب المتهمين بالتدريب في معسكرات حزب الله في العام 2014م و2015م بالمجموعة التي قامت بجمع السلاح في تسعينيات القرن الماضي، فأغلب هؤلاء الشباب لم تتجاوز أعمارهم الخمس سنوات في التسعينيات، فكيف يكونوا أعضاء في خلية تخابرية إرهابية!؟



وفي الصفحة 83 من الحكم، نجد أهمية اعتماد المحكمة على تُهم ’’الإضرار بالكويت‘‘ في أحكامها، وهذه التهم جاءت بناء على التحليل السياسي لضابط أمن الدولة وليس الأدلة المادية القاطعة أو اعترافات المتهمين، وهي نفس التهم التي رفضتها محكمة الاستئناف لعدم توافر الأدلة!!



وفي الصفحة 85 من الحكم، توافق المحكمة على تطبيق المادة 83 من قانون الجزاء[11] وهو استخدام ’’الرأفة‘‘ مع المتهمين الأول والخامس والسادس والثامن والتاسع والرابع والعشرين، وهذا ما جعلها تخفف العقوبة النهائية للمتهمين الأول والسادس رغم أنهما ينتمون إلى المجموعة التي خزّنت السلاح والأدلة ثابتة عليهم في أوراق القضية!!
وفي الوقت نفسه، شددت هيئة المحكمة العقوبات على المتهم الخامس والرابع والعشرين الذين حصلا على البراءة في حكم أول درجة والاستئناف!!


وفي الصفحة 86 من الحكم، تؤكد المحكمة على عدم وجود أدلة تثبت تخابر مجموعة من المتهمين مع دولة أجنبية، وأنهم لم يكونوا على علم بالنوايا الإجرامية للمجموعة الأولى من الخلية.



أما أغرب ما جاء في حكم التمييز، فهو ما ذكرته المحكمة في الصفحة 87 من حكمها، حيث أكدت خلو الأوراق من أي دليل يثبت تخابر مجموعة من المتهمين مع دولة أجنبية وعدم اطمئنانها إلى ما تضمنته أقوال ضابطي المباحث وأمن الدولة في هذا الخصوص، وقبول المحكمة لإنكار المتهمين للتهم المنسوبة لهم والتي أدانتهم عليها محكمة الاستئناف، وبالتالي فقد برأتهم التمييز من هذه التهم!!



إصلاح القضاء

في الثالث عشر من نوفمبر لسنة 2008م، أصدرت السلطة القضائية قرارا بإيقاف التداولات في ’’سوق الكويت للأوراق المالية‘‘ (البورصة)، وذلك استجابة لدعوة رفعها مجموعة من المحامين يعتقدون فيها بأن على إدارة السوق أن توقف التداول في حال انخفاض المؤشر!!




وقد عرّضت السلطة القضائية بهذا الحكم الفكاهي سُمعة الكويت الدولية والاقتصاد الوطني إلى مخاطر جسيمة ذات تبعات مالية وقانونية كارثية، منها على سبيل المثال وليس الحصر انخفاض التقييم الائتماني للدولة، وانسحاب المستثمرين من السوق المحلي، ومطالبات بالتعويض ليس لها بداية ولا نهاية.

وقع كل ذلك بسبب اعتقاد ’’قاضي‘‘ في محكمة بأنه يملك أهلية إصدار الأحكام في مجالات متخصصة ليس له فيها وفي تعقيداتها إلمام كاف، وبذلك أدّت مغامرة قاضي البورصة إلى توريط الدولة وخلق حالة من الهرج والمرج!!

أعتقد أن أحكام القضاء في قضية ’’خلية العبدلي‘‘ تتشابه بشكل كبير مع حكم البورصة سيء الذكر، فهيئة محكمة أول درجة والتمييز أقحموا السلطة القضائية في أحكام ذات أبعاد سياسية محلية وإقليمية ليس للقاضي أو ضابط أمن الدولة القدرة على استيعاب كامل تبعاتها الضارة على الكويت داخليا وخارجيا.

خاصة وأن السلطة القضائية لم تعتمد في مغامرتها هذه على أدلة ملموسة ذات مكانة رصينة لا تقبل الشك أو التشكيك، بل اعتمدت فيها على تحليل سياسي طفولي لضابط أمن دولة قد يكون أحد ضحايا ’’البروباجندا‘‘ المعادية للفرس والتي أشرنا إليها في بداية هذ المقال، وبالتالي فقد وضعت السلطة القضائية نفسها في موقع محرج لا نتمناه لها أو نقبله عليها.

فعندما تقتنع (أو تطمئن) هيئة محكمة مكونة من مجموعة من القضاة المحترمين بتحليل سياسي مُجتزأ يعتمد على فوبيا ’’إيران هي السبب‘‘ وأن إيران تريد إسقاط نظام الحكم بالكويت والاستشهاد لإثبات ذلك على أحداث الثمانينيات يمكننا القول بأن السلطة القضائية في خطر.

فكيف تمسّك السادة القضاة بأحداث فترة الثمانينات التي مضى عليها قرابة الثلاثين عاما وتجاهلوا سلسلة طويلة من الأحداث السياسية التي جرت بعد ذلك، ألم يسمع هؤلاء بزيارة سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح إلى الجمهورية الإيرانية في 2014م ولقائه بـ’’الولي الفقيه‘‘ الذي يخطط لإسقاط نظام الحكم في الكويت حسب ما ورد في حيثيات حكمهم!؟



فهل تعتقد هيئة المحكمة الموقرة بأن سمو الأمير يتآمر على حكمه وأسرته ووطنه ليقوم بزيارة من يخطط لهدم أركان دولته!؟ هل تعتقد السلطة القضائية بأنها أكثر كفاءة وحكمة من سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد في معرفة العدو والصديق على الساحة المحلية والإقليمية!؟

وقد يأتي من يقول بأن هذه الزيارة تمت قبل اكتشاف الخلية، فنرد عليه بجهله الفاضح بأن الكويت تصدت لمهمة الوساطة بين إيران ودول الخليج في يناير 2017م، أي بعد اكتشاف الخلية وصدور حكم أول درجة والاستئناف فيها، بل أين كان يعيش هؤلاء عندما زار الرئيس الإيراني حسن روحاني دولة الكويت واجتماعه بسمو أمير البلاد في شهر فبراير من العام 2017م، أي قبل خمسة أشهر فقط من صدور حكمهم الذي يتهمون فيه هذا الرئيس ودولته بالتخطيط لإسقاط نظام الحكم في البلاد!!






كيف تجرأ هؤلاء على استغفال الرأي العام من خلال تضمين حكمهم بالمغالطات التاريخية كضلوع حزب الله في محاولة اغتيال الشيخ جابر الأحمد!! بينما من قام بهذه المحاولة مجموعة عراقية محسوبة على ’’حزب الدعوة‘‘ العراقي، وهو بالمناسبة نفس الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي استقبله سمو الأمير بعد صدور حكمهم بأربعة أيام فقط، وتعهد له بمبادرة الكويت لإقامة مؤتمر إعمار الموصل والعراق!؟

هل يُعقل أن يقبل القائمين على السلطة القضائية على أنفسهم الارتهان إلى التحليل السياسي الثمانيناتي لضابط أمن الدولة وأن يضربوا بعرض الحائط الجهود الجبارة التي يبذلها سمو الأمير للحفاظ على مكانة الكويت الإقليمية والعالمية في الألفية الثالثة!؟ ألا يعلمون بأن إيران ولبنان والعراق صوتوا لصالح حصول الكويت على مقعد ’’مجلس الأمن الدولي‘‘!؟




متى كانت المرة الأخيرة التي اطلع فيها ’’كيسنجر‘‘ أمن الدولة على الصحف والأخبار السياسية حول العالم!؟ ألم يسمع بأن إيران اليوم دولة إقليمية ’’عُظمى‘‘ تحارب وتنتصر على الإرهاب المتطرف في العراق ولبنان وسوريا!؟

ألم توصله أبحاثه حول ’’جمهورية إيران الكُبرى‘‘ إلى أن الحرس الثوري الإيراني يدعم السُنة في ’’حماس‘‘ والسُنة في كردستان العراق!؟ ألم يقرأ تحليلات أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية حول القوة الصاروخية الإيرانية التي يمكنها تدمير دول الخليج العربية خلال ثلاثة ساعات ونصف الساعة بلا حاجة إلى خلية إرهابية ومجسمات ’’حسن نصرالله‘‘[12]

فهل هذه القوة التي تقود مئات الآلاف من المقاتلين على ثلاثة جبهات ’’برية‘‘ أصغرها أكبر من الكويت مرتين ونصف بحاجة إلى شوية ’’بادبختية‘‘[13] لإسقاط نظام الحكم في الكويت!؟

حكاية ’’تصدير الثورة‘‘ و’’الجمهورية الإسلامية الكبرى‘‘ و’’ولي الفقيه‘‘ كان يمكن تصديقها في بداية الثمانينيات عندما كانت إيران في أضعف حالاتها أمام الاصطفاف العالمي خلف العراق، لكنها اليوم صاحبة النفوذ الأكبر في المنطقة دون الحاجة إلى إقناع الناس بـ’’ولاية الفقيه‘‘ أو غيره، فما هي الحاجة إلى تصدير الثورة!؟

ما أكتبه هنا ليس من باب التمجيد لإيران أو حزب الله، ولكنه الواقع الذي يناقشه قادة المخابرات الإسرائلية في مؤتمرات ’’هرتزيليا‘‘ ولجان الدفاع في الكونجرس الأمريكي، فأين تحليل ضابط أمن الدولة من هؤلاء[14]

لم أكن أود الخوض في المسائل السياسية والزج فيها في تعليقنا على الحكم القضائي، ولكن السُلطة القضائية هي من زجّت بالتحليلات السياسية في حكمها القضائي وبالتالي أصبح لزاما علينا التعليق عليها، نحن نعلم بأن حكم التمييز نهائي في هذه القضية، ولذلك فلا فائدة مرجوة من الزيادة في نقده، ولكننا نطرح خطوتين للمساهمة في إصلاح القضاء وهما الآتي:

الخطوة الأولى: قانون مخاصمة القضاء

أعتقد أن الوقت قد حان ليقوم مجلس الأمة بالانتهاء من صياغة قانون ’’مخاصمة القضاء‘‘ والتصويت عليه، فالقاضي في نهاية الأمر إنسان، والإنسان يخطئ، ويتأثر بمعتقداته الدينية والاجتماعية والسياسية، ولذلك فيجب أن تكون هناك آلية تضمن التزام القضاة بما يُطرح أمامهم من أدلة حقيقية وأن يبذل هؤلاء القضاة الجهد الكافي لمنع معتقداتهم الخاصة من التأثير على أحكامهم.



الخطوة الثانية: الاستعانة بالخبراء

يقوم القضاة في العادة بانتداب خبراء في القضايا ذات الاختصاص المُعقد والذي لا يمكن للقاضي أن يحيط بتفاصيل حيثياته، وعلينا اليوم أن نفكر جديا في جعل القضايا السياسية والدينية من ضمن هذه القضايا التي تُجبر فيها السلطة القضائية على انتداب الخبراء لإعانة هيئة المحكمة على إصدار أحكامها، وذلك حتى لا يتكرر أمامنا هذا المشهد الهزيل، فنحن نحترم جهاز ’’أمن الدولة‘‘ ورجاله، لكن هذا الاحترام لن يمنعنا عن السؤال عن المستوى الثقافي والتعليمي لضباط هذا الجهاز.

فالتحليل السياسي الذي وضعه ضابط الواقعة في هذه القضية، يستند بشكل كبير على ما يُسمى بـ’’نظرية المؤامرة‘‘ والتحليلات ’’الأبوكلبتكية‘‘[15] التي لا ترقى لأن توضع أمام محكمة موقرة، وكان يُفترض بهيئة المحكمة أن تردها أو تطالب الضابط بأدلة حقيقية لإثباتها، أو أن تنتدب المحكمة خبراء من جامعة الكويت أو وزارة الخارجية الكويتية لإعطاء تصور أشمل عن العلاقات الإيرانية الكويتية وتطوراتها عبر التاريخ، وما هي الآثار التي ستترتب على هذا الحكم لو سار في هذا الطريق أو ذاك.


هروب المتهمين

في الحالات الطبيعية، يجب أن يخضع المتهم لتنفيذ الأحكام الصادرة من السلطة القضائية، ولكن الواقع السياسي في الكويت وحول العالم يفرض علينا تقبل هروب بعض المتهمين المدانين في قضايا لا يثقون بحيادية الجهة التي حاكمتهم أو ستحاكمهم عليها، وهذه ليست بِدعة أو رأي مستحدث، فبالعودة إلى تاريخ الكويت الحديث نجد أن ’’قروب الفنطاس‘‘ المُدان في قضية التآمر على نظام الحكم هرب إلى لندن، وبعض المغردين المدانين في قضايا إساءة للذات الأميرية هربوا إلى الجمهورية التركية ولندن، وتشتمل هذه الحالة على النائب السابق عبدالحميد دشتي، فكيف نطلب من شخص تنفيذ حكم بسجنه لمدة 42 سنة بسبب تعبيره عن رأيه الذي لا نتفق معه عليه[16]

وهذه الحالة ليست محصورة في الكويت، فنجد موظف المخابرات الأمريكي السابق ’’إدوارد سنودن‘‘[17] هرب من بلده إلى روسيا لعدم ثقته بحيادية السلطة التي ستحاكمه، ونجد أيضا العبقري الأسترالي ’’جوليان أسانج‘‘[18] يهرب من السلطات الأمريكية والسويدية لعدم ثقته بحياديتهما في محاكمته!!



وبالنظر إلى حيثيات حكم محكمة التمييز وأول درجة في قضية خلية العبدلي، فأنا لا ألوم المتهمين الهاربين على عدم ثقتهم بحيادية المحكمة التي أصدرت أحكامها ضدهم.





موقف الحكومة

بعد صدور حكم محكمة التمييز في قضية ’’خلية العبدلي‘‘ في 18 يونيو 2017م، دخلت البلاد في حالة من الهدوء والسكينة التي تسبق العاصفة، فبعد مرور شهر كامل على صدور الحكم، فوجئنا بجريدة ’’السياسة‘‘ وهي تعلن عن هروب 14 مدانا في قضية الخلية!!


ولكي تتدارك الحكومة هذه الفضيحة الأمنية، قامت وزارة الداخلية بحملة اعتقالات ومداهمات للبحث عن الهاربين، وأضافت على ذلك بعض الإجراءات الاستعراضية من خلال توزيع لافتات تحمل صور المدانين الهاربين في هذه القضية.

أما وزارة الخارجية، فقد قامت بإجراءات مشابهة من باب ’’إخذ الناس على قد عقولهم‘‘، فقد خفضّت التمثيل الدبلوماسي الإيراني رغم أن التُهَم الموجهة إلى إيران وسفارتها في الكويت ثابتة ولم تتغير منذ الحكم الأول في القضية الصادر في 12 يناير 2016م!! 

فلماذا لم تتخذ الوزارة هذه الإجراءات القاسية منذ ذلك الحين!؟ ما الذي استجد مع صدور حكم التمييز!؟

أيضا حاولت الوزارة ’’تركيبنا الباص‘‘ من خلال الإعلان عن مخاطبة السلطات اللبنانية لوقف تدخلات حزب الله في الشأن الكويتي!! وهي تخاطب بذلك الرئيس ’’ميشيل عون‘‘ ووزير خارجيته ’’جبران باسيل‘‘ وهما حليفان لصيقان لحزب الله!!

ولذلك، فأنا أنصح جهابذة الخارجية بأن لا يُطيلوا الطريق الذي سيسيرون بنا عليه في هذا ’’الباص‘‘ حتى لا ’’ينقلب السحر على الساحر‘‘ ويتهمنا لبنان بالتدخل في شؤونه الداخلية، خاصة وأن سفيرنا هناك يعقد اللقاءات مع خصوم الحزب والرئاسة ممن لا يشغلون مناصب رسمية تسمح بهذه النوعية من اللقاءات العلنية!!



كلمة أخيرة

شهدنا في الأشهر الأخيرة اندلاع ’’الحرب‘‘ السياسية بين دول مجلس التعاون الخليجي ورأينا بوضوح نوعية الدول والجماعات التي تتكسب على هذه الحروب وانتهازية الدول الكبرى في التعامل معها، وقد شملت هذه المعركة - بين من يُفترض فيهم أن يكونوا أشقاء - أقذر أنواع الأسلحة من اختراقات تجسسية وبروباجندات إعلامية وشراء ذمم العشرات من مرتزقة الإعلام والسياسة.

وقد كشفت هذه الأزمة هشاشة المشاريع السياسية التي تحملها هذه الحكومات الشقيقة، فقد رأينا فيها من يتلقى الأوامر من الخارج، ومن لا يثق بشعبه ويقمعه، ومن يستخف بعقول الناس من خلال فبركة التهم والادعاءات، ومن هو على استعداد لتصفية أرصدته السياسية والمالية والأخلاقية حتى ينتصر في معركة يكون فيها هو على باطل!!

ولذلك نقول بأن هذه الحكومات الشقيقة تستحق منا كل الحب والمشاعر الأخوية الخالصة، لكنها في الوقت نفسه لا تستحق منا الأخذ بها على محمل الجد واحترام وجهات نظرها الطفولية، وعلينا أن لا نربط مصير الكويت بقرارات هذه الشقيقات الخليجيات ومشاريعها السياسية الفاشلة، فقد تعبت الكويت من مغامرات الأشقاء من العربان والخلايجة، فنحن اليوم نلعب في منطقة تعُج باللاعبين المحترفين ولا مكان للهواة بينهم!!

أقول ذلك وأنا أشعر بالزهو والفخر لانتمائي إلى الكويت التي سطع نورها وسط هذا المشهد القميء كدولة تملك حرية مواقفها السياسية المتعقلة والمعتدلة بقيادة ’’نوخذانا العود‘‘ الشيخ صباح الأحمد الصباح، هذا ما جعلنا نحصل على ثقة ومحبة الشعوب قبل الحكومات، الأفراد قبل الجماعات، الأجانب قبل الأقارب، وهذا لم يأت من باب الصدفة أو ضربات الحظ الاعتباطية، بل جاء بسبب جهود حثيثة لسمو الأمير والرجال القليلون الذين يسيرون في فلكه.

وبسبب كل ما سبق، أصبحت الكويت بلد يستحق الاحترام والمحبة من أبناء شعبها الذين يجب عليهم الحرص على مصيرهم ومصير وطنهم الغالي ومكتسباته الدستورية والقانونية، ولذلك أجد أن من واجبنا اليوم كمواطنين صالحين أن نقف إلى جانب صاحب السمو أمير البلاد في مهمته الشاقة بالحفاظ على استقلالية الموقف السياسي الكويتي وعدم الانجراف خلف هذا المعسكر أو ذاك، وبالتالي عدم مجاملة أيا منهما من خلال إصدار قرارات داخلية تحاكي سخافات الجيران والأشقاء.

فالتلميح الدائم إلى مسألة محاسبة الناس على عواطفهم وهواهم في حب أو تأييد هذه الدولة أو تلك، وهذا الفريق أو ذاك، وهذا الحزب أو هذه الجماعة لن نسمح به في الكويت...

فنحن لسنا عبيد حتى نقبل بالقيود..

ولسنا مرتزقة حتى يتم شراؤنا بالمال..

ولسنا فداوية حتى ننساق خلف رغبات معازيبنا..

ولسنا طُلاب كراسي حتى نجزع من ابتعادها عن ’’خلفياتنا‘‘..

ولسنا حرامية حتى نخشى محاسبتنا..

ولسنا خَوَنة كي يتم ابتزازنا بفضح خياناتنا..

فلذلك أقول للحكومة ومن يديرها، عليكم أن ’’تركدوا‘‘، فعواطف الناس ومشاعرها حق إنساني ودستوري خالص للأفراد، وليس من شأنكم التدخل فيه حتى لا تعطون للطرف الآخر الحق بالتدخل في عواطفكم ومشاعركم، عليكم أن تطبقوا القانون وستجدون الجميع يقف معكم ويدعمكم، أما السير في ركب التنمر المذهبي والطائفي فلن نقبل به وسنكون لكم بالمرصاد.

في التاريخ دروس حاولوا أن تتعلموا منها... والحق أحق أن يُتبع.


محمد اليوسفي




[1] شكك المتهمون في قضية اقتحام المجلس بحيادية القاضي آل هيد بسبب وجود اسم ديوان والده من ضمن إعلان نشرته دواوين الكويت استنكارا لحادثة الاقتحام، وبالتالي يكون للقاضي وبسبب ارتياده لديوان والده رأي مُسبق في القضية، وقد تنحى القاضي عن الحكم فيها لاحقا.
[2] كان ذلك متاحا وسهلا في حقبة ما قبل الفضائيات والانترنت.
[3] نسبة كبيرة من الكويتيين القادمين من السواحل والأعماق الفارسية يعتنقون المذهب السُني.
[4] الحنين إلى الماضي والنظرة اليوتوبية تجاهه.
[5] الثقافة بمعنى Culture.
[6] ومعهم شخص إيراني.
[7] نية ارتكاب جريمة.
[8] هناك أدلة أخرى ولذلك فهذه فقرة انتقائية.
[9] نجيب الوقيان وصباح الشمري، أشهر الجرائم السياسية في الكويت، الطبعة الثانية، ص228.
[10] سؤال النيابة للمتهم عن موقفه في حال نشوب حرب بين الكويت وإيران، يعطي الحق للطرف الآخر بالسؤال عن مواقفهم في حال نشوب حرب بين السعودية والكويت!؟ 
[11]تنص المادة على: ’’يجوز للمحكمة إذا رأت أن المتهم جدير بالرأفة، بالنظر إلى الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة، أو بالنظر إلى ماضيه أو أخلاقه أو سنه، أن تستبدل بعقوبة الإعدام عقوبة الحبس المؤبد أو الحبس المؤقت الذي لا تقل مدته عن خمس سنوات، وأن تستبدل بعقوبة الحبس المؤبد عقوبة الحبس المؤقت الذي لا تقل مدته عن ثلاث سنوات‘‘.
[12] تحاول الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات إقناع دول الخليج بشراء منظومة دفاعية على غرار منظومة ’’القبة الفولاذية‘‘ الإسرائيلية إلا أن دول الخليج لم تحسم أمرها بشراء المنظومة، وذلك للخلافات البينية حول الدولة التي سيكون فيها مركز التحكم بهذه المنظومة.
[13] تعني سيء الحظ بالفارسية.
[14] لفهم طبيعة هذه اللجان يمكن النقر على الرابط.
[15] نظرية الـ Apocalyptic وهي نظرية نهاية العالم.
[16] أضف عليهم ياسر الحبيب والسيد فؤاد الرفاعي الحُسيني.
[17] متهم بالكشف عن أسرار تجسس الولايات المتحدة الأمريكية على الشعب الأمريكي وزعماء العالم.
[18] مؤسس موقع ’’ويكيليكس‘‘.

8 comments:

عقل جميل said...

تحليلك للقضية بطريقتك يجعلني أتساءل عن ما سيكون رد فعل جمعية المحامين باختصاصاتهم حول حثيثيات الحكم !! نسأل الله تعالى السلامة

Ali al-kazemi said...

احسنت على البحث والتوضيح.سلمت يداك.

Jawad Al-lawati said...

رائع

منطق لا منطقي said...

العاقل وسط المجانين ... مجنون

منطق لا منطقي said...

كلام رائع..
لكن العاقل وسط المجانين ..مجنون

Dr Ahmad Ashour said...

نتمنى من الطرف الآخر تبيان الأدلة ان وجدت في موضوع التخابر ، لم يقف الحكم عند المتهمين فلا تزال السلطة تُمارس التخبط مع عوائل المتهمين و كل من له صله بهم .

Unknown said...

مجهود تشكر عليه استاذي ولكن لا بد بالتذكير ان المنطقة تعيش بغليان طائفي اشتد بعد سقوط صدام العراق وما تبعه من ردود افعال ظاهرها الانتقام الطائفي وباطنها خلق فوضى تتمكن من خلالها الدولة العظمى من ادارة هكذا فوضى لمصلحتها ان استوعبنا ذلك ام لا فهذا ما يجري حاليا بكل الاتجاهات في منطقتنا ومن البديهي ان ينعكس ذلك على المجتمع الكويتي المنفتح اساسا على ثقافات متعددة بمعظمها دينية مذهبيه ولكن ما لم نستوعبه ان البعض بالكويت يتكسب من اي خلاف مذهبي ويعكسه على مجتمعه للتكسب وزيادة النفوذ والرصيد في حين يمارس البعض سياسته بكل سذاجة وسطحية انشائية اقرب ما تكون لموضوع تعبير في مرحلته الابتدائية وللعودة للموضوع بدون تشعبات اكثر نجد ان المتكسبين من الخلاف الطائفي لبسوا مخالفيهم الطاقية وبشعار القانون لا يحمي المغفلين
الوضع القائم سيستمر لمزيد من التأزيم حتى يشبع المتكسب ولا اظنه سيشبع فمن يشرب ماء البحر لن يرتوي حتى ينفجر بطنه
والخوف ان يكون البطن المنفجر هو الوطن
القادم سيشهد تغييرات جيو سياسية لدول المنطقة والعقلاء قلة مستضعفة لا حول لها ولا قوة وكل ما عليها هو الانتظار

اطالة لا بد منها واتاسف عليها

Unknown said...

مقال رائع ولكن وددت بأن يكون جزء من الرد على الأخذ بالتحليل السياسي لضابط أمن الدولة هو تقديم تحليل آخر "افتراضي" قد يؤمن به المتهمون من كون حزب الله تنظيم غير إرهابي ويستحق التأييد وفق المعطيات الموضوعية للصراع العربي الإسرائيلي، فتكون بذلك بعض الأدلة المادية التي عثر عليها عند المتهمين من أعلام وصور ومجسمات لشعارات الحزب ورموزه هو من باب التعاطف وليس بالضرورة دليل على الانتماء، وبانتفاء الانتماء تنتفي الصفة التنظيمية للجريمة وتلبيس الحيازة بأنه جزء من مخطط حزبي.