.
المبشر آرثر بينت , القوافل ص 70
.
. إنتهينا في المقال السابق من شرح مختصر للنظام العالمي القديم الجديد , أما الآن فأعتقد أنه قد حان موعد تسليط المجهر على أرضنا المقدسة , الكويت , و للحديث بـ إقتدار عن مستقبل الكويت علينا العودة الى ماضيها أولا , ففي العودة الى الماضي و تأمل أحداثه فائدة قُصوى للمتطلع الى المستقبل , كيف لا و قد قيل قديما , التاريخ يُعيد نفسه , فـ بإسم رب التاريخ نبدأ
.
ليس من المعروف تفصيلا الوضعية العامة لأرض الكويت فيما قبل القرن السابع عشر , و لكن المعروف لدينا هو تواجد حصن لـ أمير الإحساء بن عريعر في هذه المنطقة , و كان هناك مجاميع من السكان تعيش بالقرب من هذا الحصن في تلك الأثناء , و قد كان بني خالد من أهم القبائل المتواجدة في هذه المنطقة
.
و مع بداية القرن الثامن عشر – 1701 – دبّت النزاعات بين قبائل العتوب و الخليفات و طائفة الهولة في المنطقة القريبة من شط العرب , و نتيجة لهذا النزاع نزحت قبائل العتوب الى البصرة الواقعة تحت سيطرة الدولة العثمانية و خاطبوا الوالي قائلين
.
إننا جميعا من أهل الإسلام , و قد تركنا ديار الروافض , و نحن داخلين عليكم و أنتم أعلم بحالنا
.
بيان الكويت ص 13
.
بعد عدة أيام جاء رد والي البصرة على طلب إقامة العتوب بالرفض خوفا من تأثير نزاعاتهم مع الهولة سلباً على حركة التجارة في البصرة , لكنه سمح لهم بالإنتقال الى منطقة أم قصر و منها الى الكويت , و في الكويت عاش العتوب بتفاهم تام مع بني خالد , فقد ضمن الخوالد للعتوب حكماً ذاتياً مستقلاً مما جعل العتوب يردون التحية بأحسن منها من خلال الفزعة و المساندة للخوالد في حروبهم مع الدولة السعودية
.
. و ليس من المعروف لدينا من كان يحكم العتوب المشتغلين في التجارة و النقل البحري في تلك الأثناء , إلا أنهم في العام 1743 – 1756 في مصادر أخرى - انتخبوا صباح العتبي – صباح الأول – حاكما عليهم , و قد كان السبب الرئيسي في إختيار الشيخ صباح هو وجوده الدائم في الكويت و تفرغه لأمور الحكم حيث أنه لم يشغل نفسه بالتجارة و الترحال
.
و لم تطل المدة حتى تمكنت قوات الدولة السعودية الأولى من هزيمة بني خالد , و بذلك بسط آل الصباح حكمهم على أرض الكويت و القبائل التابعة لها , و من المهم هنا معرفة الوضع الإقليمي في المنطقة بشكل عام , كانت الدولة الفارسية مستقلة كما هي اليوم , و كان الإنجليز يسيطرون على عُمان و البحرين , أما الدولة العثمانية فقد كانت تسيطر على العراق و مصر , و من مصر إستطاعت السيطرة على شبه الجزيرة العربية بعد هزيمة آل سعود في العام 1818 , و بسبب كل هذه التفاعلات الإقليمية تمكن حُكام آل صباح , و بالتشاور مع تجار و وجهاء الكويت من الوصول الى تحقيق المعادلة الصعبة لتحويل الكويت الى المركز التجاري الأمثل في المنطقة , نجد ملامح هذه الصورة في الخطاب الموجه من القنصل البريطاني في حلب الى المستر لاتوش في البصرة عام 1776 حيث يقول
.
علمت أن السفينتين القادمتين من تلك الجهات قد وصلتا الى بو شهر , اذا كان بالإمكان بقاء القرين ( الكويت ) محايدة فإنه يمكن للقوافل أن تسافر اليها و ان تحمل البضائع منها الى هذا المكان و حسب . ذلك أنه ما دامت الحرب في البصرة و ستطول فإنه لا بد للتجار من أن يهاجروا إلا إذا استطاعوا أن يجدوا مكانا قريبا منها يستطيعون ان يمارسوا نشاطهم فيه , يبدو أن القرين ذات موقع جيد يمكّنها من أن تكون خلفا للزبير غير أن هذا لن يأتي دون بقائها مستقلة لأنها إذا ما وقعت في حوزة الفُرس فإن التجار سوف يتعرضون للمخاطر لو أرادوا نقل البضائع منها , ذلك لان الباب العالي لن يسمح بمثل ذلك
.
و لذا فإن من مصلحة التجار الذين يعملون معكم أن تبقى القرين ( الكويت ) تحت سلطان حكامها الحاليين آل صباح
.
الاقتصاد الكويتي القديم ص 146
.
. و من أهم أسباب هذا الإزدهار التجاري في الكويت هو موقعها الإستراتيجي كـ ميناء مثالي للبصرة و ما خلفها , و للمناطق الشرقية من الجزيرة العربية كـ نجد و حائل و الإحساء , أيضا ساهمت سياسة حكام الكويت في عدم جباية الضرائب و فرض رسوم جمركية مخفضة في جعل الكويت منطقة تجارية حرة يستفيد منها التاجر المحلي و الأجنبي
.
و قد عمل سكان الكويت في مختلف المهن المُكملة لهذا النشاط التجاري و منها النقل البحري , النقل البري , صيد اللؤلؤ , صيد الأسماك , صناعة السفن , الرعي , و غيرها من الأنشطة التي تظهر بشكل واضح على ألقاب العوائل الكويتية من أصحاب الحِرف المتوارثة كـ النجار , القلاف , الأستاذ , البناي , القطان , الكندري , الجرخي , الطواش , الوزان , الصايغ , العتال , المطوع , الحداد , الخياط , الخباز ... الخ , الخ
.
بطبيعة الحال ساهم هذا الإزدهار الإقتصادي في تحويل الكويت الى أرض ميعاد لكل الطامحين في الهجرة من المناطق المحيطة , هكذا بدأت حركة الهجرات في التفاعل حتى تصاعد عدد سكان الكويت من 10000 نسمة في العام 1765 الى 160000 نسمة في العام 1925 قبل التجنيس المنظم لاحقاً, العبد المغني ص 15 , و اللافت للنظر هنا أن أهل الكويت – المهاجرين أساساً – لم يُظهروا الإمتعاض من حركة الهجرة في الحقبة المبكرة حيث أنهم خير من يعرف أهمية العنصر البشري الجديد في العمل السِلمي و الحربي معا , خصوصاً و أن سماءهم لا تمطر لبناً و أرضهم لا تنبع عسلاً ليطمع فيها الغريب المهاجر
.
.ساهم هذا الجو التجاري في تشكيل ملامح المجتمع الكويتي الذي إنقسم الى ثلاثة فئات رئيسية و هم عامة الشعب , التجار , الشيوخ , و من المهم هنا تسليط الضوء على تفاعل العلاقة بين هذه الفئات
.
عامة الشعب
.
عاشت الطبقة الكادحة من الكويتيين ظروف صعبة لا يُحسدوا عليها , فقد عمل الكويتيون – تحت إمرة التُجار - في مختلف المجالات الحِرفية و عاش بعضهم ظروفاً صعبة في الصراع مع البحر و تعريض النفس للخطر و العمل في تهريب الذهب و السلاح و السفر لفترات طويلة جدا , و قد نشأت ثقافة موسمية ذات نكهة بحرية خاصة في هذا المجتمع , فقد ارتبطت حركة الهجرة بمواسم الرحلات البحرية و ارتبطت أيضا سعادة الناس و تعاستهم في مواعيد رحيل و قدوم السفن البحرية , و لـ نقل صورة أوضح عن هذه المرحلة نذكر هنا المادة التاسعة عشرة و المادة الثانية و الثلاثون من قانون الغواصين في الكويت الصادر عام 1940 في عهد الشيخ أحمد الجابر
.
المادة 19
.
اذا مات البحار و هو لا يملك غير بيت سكناه و له أولاد صغار و ثبت أن البيت داخل عليه من دراهم الغوص فعلى النواخذا أن يصبر حتى يبلغ الأولاد رشدهم و حينئذ يُخيرون بين دفع الطلب للنواخذا أو يركبون الغوص بدين والدهم أو يباع البيت و تدفع قيمته لنواخذا الغوص
.
المادة 32
.
يجب على كل بحار مستخدم عند الحكومة أو شركة الزيت أن يدفع الى مأمور الغواصين خمسة عشر بالمائة من راتبه شهريا
.
الاقتصاد الكويتي القديم ص 228 و 230
.
.التجار
.
كون الكويت بلد تجاري أعطى حظوة و أولوية خاصة للتجار , فالتجار كانوا يتمتعون بهيبة و إحترام تفوق في بعض الأحيان هيبة الشيوخ , و يذكر يوسف القناعي في صفحات من تاريخ الكويت أن
.
أدنى تاجر من أهل الكويت هذه الأيام يملك أكثر مما يملك الأمراء في ذلك الوقت , و الدليل على ذلك أن مباركاً لما قتل أخويه و تولى على المالية لم يجد فيها سوى 700 ريال نقدا و 73500 روبية أمانة في بيت ابن ابراهيم في بومبي
.
ص 24
.
أيضا كان للتجار دور أساسي في تحديد سياسات الكويت الداخلية و الخارجية , و قد امتدت تجارة الكويتيين الى الهند و زنجبار و الصومال و العراق و ايران و في بعض الأحيان تصل الى بلاد الشام , لهذا تمتع تجار الكويت بعلاقات إقليمية وثيقة مع القيادات السياسية في المنطقة
.
.الشيوخ
.
يكون منهم حاكم الكويت و يتقلدون في العادة المناصب الرسمية في الدولة , بالرغم من ذلك لم يتمتعوا بالرخاء المادي حيث أنهم لم يعملوا بالتجارة , لكن إعتمادهم الأكبر كان على الرسوم الجمركية و استقطاعات التجار , إستمر هذا الحال الى عهد الشيخ جابر بن عبدالله – الحاكم الثالث - الذي امتلك بعض الأراضي الزراعية في العراق و من ثم توسع الشيوخ في تملك هذه الاراضي لتتحسن حالتهم المادية شيئا فـ شيئا
.
و بالرغم من حرص حُكام الكويت على التمسك بالشورى إلا أن علاقتهم بالتجار شابتها شيئا من النِديّة و التوتر في بعض الأحيان , و قد كانت أغلب هذه الخلافات تدور حول موضوع الرسوم الجمركية حيث أن أول مواجهة حدثت بين الشيوخ و التجار كانت في عهد الشيخ صباح بن جابر – الحاكم الرابع - في العام 1860 حين رفض التجار دفع الجمرك كونه يضر بالمصلحة التجارية , لكنهم أبدوا إستعدادهم للمساهمة في وقت الحاجة حيث قالوا
.
إن كنت في حاجة إلى الأموال فما عندنا شيء يعز عليك
.
صفحات من تاريخ الكويت ص 22
.
أيضا حدثت في عهد الشيخ صباح مواجهة ثانية معروفة بإسم حادثة عنبر حينما وضع التجار الشيخ صباح أمام خيارين , أما نفي عبده عنبر – الذي ضرب أحدهم – و أما أن يقوموا هم بمغادرة الكويت , هنا قام الشيخ محمد بن صباح بقتل العبد عنبر لإنهاء الخلاف , أما المواجهة الثالثة و الأكثر شهرة فقد وقعت في عهد الشيخ مبارك – الحاكم السابع - حينما غادر الكويت ثلاثة من كبار التجار و هم هلال المطيري و إبراهيم المضف و شملان بن علي , و قد قام الشيخ مبارك بـ اللحاق بهم و إسترضاءهم شخصيا للعودة الى الكويت
.
و الملاحظ هنا بأن التُجار خرجوا منتصرين في كافة هذه المواجهات مع الشيوخ , و هذا بالتأكيد ترك أثراً كبيرا في النفوس , إلا أن الواقع يفرض نفسه , خصوصا في تلك الظروف القاسية , و الجدير بالذكر هنا أن بعض تجار الكويت كانوا يرفعون العلم العثماني على سفنهم لتأمين الحماية , أيضا كان حُكام الكويت يظهرون بعض مظاهر الولاء الديني للدولة العثمانية من باب كونها دولة الخلافة الإسلامية السُنية , هذا بالطبع مع التشديد و الحفاظ على إستقلالهم السياسي و الإداري عنها
.
و مع بداية القرن التاسع عشر بدأت الكيانات السياسية العظمى بالإهتمام جدياً بالكويت , و كانت لهذه الدول محاولات للسيطرة على الكويت تحت عناوين مختلفة , منها مد خط سكة حديد أو إنشاء مكتب بريدي أو إقامة مركز حجر صحي أو إنشاء مركز وقود فحمي أو تحويل الكويت الى قائمقامية تابعة لقضاء البصرة التابع للإمبراطورية العثمانية , و هذا ما نجح في تحقيقه الأتراك في العام 1870 حينما نصّبوا الشيخ عبدالله بن صباح – الحاكم الخامس – قائمقام على الكويت - أثناء سفره و من دون إذنه - مع إعطائه حق الإستقلال الإداري مقابل منحة سنوية من التمر و إعفاء ضريبي في البصرة , و بهذا رُفِع العلم العثماني على مقر الحاكم و تم قبول موافقة الدولة العثمانية على متقلدي المناصب المهمة في الدولة كالقضاة و أئمة المساجد
.
و في صيف العام 1892 توفي الشيخ عبدالله بن صباح , و لأول مرة ينتقل حكم آل صباح أفقيا من الأخ الى الأخ ليتم تقليد الشيخ محمد بن صباح مقام الإمارة , و لهذا الحديث وقت آخر
.
يتبع



















